قبل أن تبدأ قراءة مقالي هذا، أطلب منك أن نقف دقيقة صمت ترحما على قصائدنا وأغانينا. نسيت، نحن الجيل الذي لا يتلقى الأوامر أبدا، الجيل الأبي الذي يكتب التاريخ ببطولاته المتوالية في ألعاب الفيديو الذي لا زال إلى يومنا هذا، يعيش من الخيرات التي جنيناها من المزرعة السعيدة.

إن عدنا سنوات قليلة إلى الوراء سنجد أن الأجيال السابقة كانت تؤرخ وجودها بالقصيدة بكل أنواع الأدب والفن الراقي المبهر كانوا على دراية بأنه أقصر الطرق لتخليد حقبة من الزمن.

يتناهى إلى مسامعي صوت أم كلثوم وهي تغني (أنت عمري) ألحان محمد عبد الوهاب، وكلمات الشاعر أحمد شفيق كامل، وأتساءل كيف لها أن تخاطب كل جوارحي؟ كيف لها أن تحيي بداخلي إحساس الدهشة؟ الطريقة التي نظم بها الكلام تجعلني أتمنى سماعها للمرة المائة بعد الألف، تتغنى بحب عذري، تخبرنا عن حال العشاق حينها، ما يفعل بهم الغياب، كيف يهدهم، اصغ إلى كل كلمة، وأدرك جيدًا أنه فاتنا الكثير من الحب فاتنا الحب كله، تجد من أبناء جيلنا من يعترف لها بحبه بعد مرور يومين على تعارفهما، ويحضرني صوتها (حب إيه اللي انت جاي تقول عليه) لم نتعلم إلى الآن أن نسمي الأمور بمسمياتها، نضحك على أنفسنا، يتحدثان أربعا وعشرين ساعة في اليوم إلا خمس دقائق، ويسميان الذي بينهما حب، لا والله هذا الذي بينكما كل شيء، إلا أن يكون كذلك مات الشوق يوم استغنينا عن الرسائل الورقية يوم قربت كل المسافات، لكنها باعدت بيننا.

أسمع صوت الرائع الوليد ميمون وهو يغني (أقبوش جرة الماء) هذه الأغنية وحدها ستجعلك تتمنى تعلم اللغة الأمازيغية يصف حبيبته، وهي في طريقها إلى ملء جرتها يصف الرداء الأبيض الذي تضع فوقها حياء ومازادها إلا جمالًا.. هو حبيبها، وليس له إلا أن يصفها برقي، ليس له إلا أن يراقبها من بعيد جدًا، وحين يغالبه الحنين إليها يتمنى لو أن مخزون المياه ينفد حتى يرتوي وهو العطشان لرؤيتها.

لا رغبة لي في أن أخلق مقارنة عقيمة بين أغانيهم وأغانينا.. ماذا بقي لنقوله بعد أن أصبح مغني زماننا يكتب الكلمات ويلحنها بنفسه.. ليس إيمانا منه بأن الفنان شامل كما جاء على لسان العديد، إنما طمعا في إضافة أتعاب الشاعر والملحن إلى ماله والبقية، أنتم أدرى به.

الشعر ديوان العرب اعتراف مباشر بأن القصيدة كانت أعظم المؤرخين، فسجلت في صور فنية راقية تفاصيل حياتهم.. معتقداتهم.. انتصاراتهم هزائمهم. قيس بن الملوح الذي خلد التاريخ فخلده أو مجنون ليلى، كان يعي أن قصائده ستبقيه حيا مئات السنين بعد رحيله؟ هام بالعامرية فاستعان بالكلمات التي ألهمه إياها الشوق والحنين وأملاها عليه قلبه المتصدع من ظلم الأحكام الجاهلية.. حيث جرت العادة أن يمنع تزويج من ذاع صيتهم بالحب. ولعل من أحب قصائده إلى قلبي لما تلاقينا وهو الذي اعتقد دمًا بيديها خضابا، فيكون مطلع القصيدة عتابًا.

ومن أبرز شعراء القرن العشرين بدر شاكر السياب المعروف بقصيدته أنشودة المطر فيشبه فيها العراق بفاتنة يستقر الحزن بعينيها فيصور معاناة الشعب العراقي حينها بطريقة فنية تنم عن الحس المرهف بداخله وتشبثه بأمل عصي النزوح.

سيكون من الحكمة ألا أعلق على ما آل إليه الشعر سنوات من الصمت ترحمًا، لا تكفي تعبيرًا عن خيبتي.. لا ألقي اللوم على القصائد المختارة في المناهج التعليمية، لا أبكي اللغة التقريرية التي تعلمناها في المدارس، أذكر جيدًا فقرة نسجت على غرار جملة سابقة، لم نقتل الإبداع في اللغة حتى من قبل، إن يولد أضع علامة استفهام كبيرة كبر خيبتي وحسرتي، وأمضي إلى سطر موال.

لا أبكي كل ذلك، إنما أبكي ما فعلنا نحن بأنفسنا، لم فوتنا علينا أن نتذوق حلاوة الفن، وجميل ما يخلفه من وقع الكلمات الموزونة بداخلنا؟ ألم يحن الوقت لنستفيق من تفاهتنا والسخافة التي وصلنا إليها.. لنعلم أن أغاني جيلنا وقصائدنا هي انعكاس لما نحن عليه، لنجعل نصرة الفن الحقيقي قضيتنا نصرة الإبداع المبهر الذي سيحكي لأجيال قادمة ما كنا عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

art, culture, music
عرض التعليقات
تحميل المزيد