لا يكاد العمر يمضي إلا وتمضي معه أحداثه بحلوها ومرها، يستأنس فيه الإنسان أيامًا عاش منها ومضات أنس وفرح، ليستيقظ كل يوم على تفاصيل بهجته هذه محاولًا صياغتها بنفس جديد يطيل سعادته، في حين أنه يستصعب أخرى قائلًا: حملتني الأيام ما لا أطيقه من أسى وترح ليظل جرحها دائمًا دوام العمر.

في مجمل خطواتنا نحو الحياة المثالية التي رسمناها لأنفسنا، نتلقى صفعةً، وكل شيء نقدم عليه نبعد عنه بصفعة، فنقدم على خطوة مغايرة لعلها تكون صائبةً فتكمل مسارها هذه المرة. مع توالي الصفعات لا يسع الفرد منا إلا البحث عن متنفس لخيبات أمل يؤمن ببعضها تارةً ويستنكر حدوثها تارةً أخرى. متنفس قد لا يتعدى ليال يملؤها البكاء أو تجوال يدوم للمساء.

هكذا الناس، أنا وربما أنت أيضًا، تمر عليك فترات تحس فيها أن العالم اتحد ضدك وأن العقبات اجتمعت حول عتبة نجاحك فقط، ميسرةً على كل كرب دخول قلبك ومعسرةً على أي ريح فرج أن تهب ناحيتك، فتسارع غالبًا لحضن والديك أو مسامع صديق لك لإزالة ثقل هذه الحياة.

مسامع الصديق الذي طالما وجدته على استعداد للإنصات لفضفضات روحك متى كانت وكيفما جاءت.
تلك الفضفضة التي تستذكر فيها الحاجة للصحة، فتحكي عن معاناتك مع المرض وكيف ينهش الفقر ما تبقى من جسمك، لتعبر عن رغبتك في غنًا ينسيك شقاء العدم، ثم تعود بذاكرتك للوراء قليلًا متحسرًا على اختيارك لزوجة نكدية لا تتعب من تعييب كل شيء، أو ارتباطك أنت بزوج بخيل شح عن نفسه وأسرته حياةً كريمةً.

العيش ما بين الصحة والمرض، الغنى والفقر، الفرج والكرب، الحب والكره، العزة والذل… فماذا عساي فاعل؟ أنت أيها الصديق، الحياة ليست ثقيلةً عليك فقط، لكنك تثقل الحياة على الناس، ألست أعيش أنا والكل منا بين حروف هذه المفردات؟ فلماذا تضيف على الجرح جرحًا آخر؟ نعم، لنتحدث، لنساند بعضنا، لكن، لا شكوى لك عندي يا صديقي! فهل تجوز شكوى الذي يرحم للذي لا يرحم؟

يوجد فزع من المشاكل، المصائب التي لا تعد ولا تحصى، الأعباء الغير منتهية، هناك جزع من طغاة الحكم، أقوياء الظلم، جبابرة الإثم… لكن حقيقة الأمر، الإنسان العارف بالله، المؤمن بقضائه وقدره، الراضي عن عطاءه وقسمته، العالم علم اليقين أنه: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، لا هلع له من هذا وذاك، بل خوفه من ذنبه، فيجعل بذلك شكواه من نفسه إلى الله لا إلى غيره مع كل اختبار له من دنيا الابتلاء.

إنها الدنيا، تدنو بنا يومًا ونعلوا بها أيامًا، نضجر فيها من عاداتنا ونمل من ممتلكاتنا، فنندب حظًا ونلعن عبيدًا.
إنها الدنيا، دار الابتلاء، صنعت على كدر، تساق فيها الشدائد كي نعود إلى الله، كي نتوب إليه، كي نصطلح معه قيل مغادرتنا لدار الجزاء، كي نشكو أنفسنا إلى الله لا إلى الناس، فمن شكا همه للناس زاد ومن شكاه لله زال، وشتان بين الدال واللام.

ليس بوسع العديد منا أن يتخلى وبكل سهولة عن عادة سيئة لزمته سنين متتالية، حيث مهما كان الشيء الذي حصل عليه لبث يشتكي من قلته، وظل يطمع بما هو أكثر منه، لكن مجرد التيقن أولًا أنها لا تضيف للمرء إلا همًا وغمًا إضافيين كفيل بمحاولة استبدال بها نعمة الشكر على ما يجابهه، بدلًا عن إضافة نقمة الطمع إلى آفة الشكوى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد