السعادة

يدرك الفلاسفة أن السعادة هي الخير العميم الذي يناله الإنسان في سعيه الدائم نحو تحصيلها. في مطلب السعادة يكون الميل أشد في بلوغها والشعور أن الإنسان سعيد بمقياس الإحساس والشعور بالرضا عن الذات والامتلاء. وإن مال البعض في القول أن السعادة ضرب من الاستحالة والوهم فإن الأمر ليس كذلك إذا توافرت مجموعة من الشروط الذاتية والموضوعية. شروط تبلغ في الفرد درجة معينة من الكمال والمعرفة وخصالًا حميدة من الأخلاق الفاضلة والسلوك المستقيم. والثبات على المبادئ والقيم الإنسانية النبيلة، دون أن يكون هناك شرخ في النفس وقلق دائم من الحياة مما يولد التعاسة والشقاء في النفوس التواقة للسعادة.

وتكون السعادة ممكنة في ظل شروط مادية في الحياة العامة. من سعادة المجتمع في تجانس مكوناته وطبقاته الاجتماعية. وفي تلك الشروط الاقتصادية التي توفر الحد الأدنى أو الأقصى للعيش. كان الفلاسفة اليونان على صواب في الإقرار بقيمة الشعور بالسعادة. فكانوا على اختلاف في تحديد محددات السعادة وطرق نيلها. ومواصفات الإنسان السعيد الذي يرتقي في سلم المعرفة ودرجات العلم وينتهي إلى إدراك المثل والحقائق في عالم بعيد عن المحسوسات والانغماس في الملذات. العالم الأفلاطوني ذلك العالم الذي لا يفصل بين المعرفة والحقيقة والسعادة. ومن يظل أسير الكهف لا يرتقي إلى عالم الذهن والحقائق.

فالسعادة بالفعل كما في آراء أرسطو ليست مستحيلة. وفن الحياة السعيدة يبدأ أولًا من الذات والعبور نحو الجواهر والحقائق الثابتة من وراء الأعراض. وهناك بالفعل مكملات السعادة في بعض الأمور العرضية من المال والثروة والحسب والنسب والأصدقاء الأوفياء. تأتي السعادة في تدرج وتسلسل مستمر وتحصيلها بالمران والجهد والعناء. مرتبطة بعامل الزمن وتربية النفوس على السعادة. وفي الفكر الإسلامي بقيت السعادة غاية ينشدها الإنسان في ذاته وفي الفضائل العملية والأخلاقية. مجموعة من الصفات والخصائص التي يمكن أن تتوافر في الفرد والمجتمع. من الصلاح والفلاح وما تنص عليه الشريعة الإسلامية في مقاصدها الكبرى. وما يحتاجه الفرد في قوامه من المعرفة والتدرج في مراتب العلم. كالعلوم النظرية والعملية والعلوم الحكمية كالمنطق والفلسفة. المران والتربية السليمة مهمة في نيل السعادة. سعادة النفوس في صفاء سريرة الإنسان. وسعادة المجتمع في التضامن والتعاون وحل المشاكل وتدبير الأزمات.

ليست السعادة ضربًا من الخيال والوهم. وفن الحياة السعيدة في تناغم الذاتي والموضوعي. في بساطة العيش وسكينة الروح وانفتاح الإنسان على الواقع والتقرب من الخالق بالعبادات والمعاملات. فمن يشعر بالنقص والحاجة في أمور معينة يطلب السعادة. هكذا يجد المريض السعادة في الصحة والعافية ويجد الفقير السعادة في الغنى وجمع المال. والذليل يعثر على السعادة في القوة والتسلط. والجاهل يسعى للسعادة في المعرفة والأنوار. تمثلات السعادة في الرأي العام. وفن السعادة يبدأ من الفرد ويتجه نحو عمق الذات في تربية النفوس وتزكيتها بالعلم والفضيلة والعيش في تناغم مع الأهل والمجتمع. وتلك سعادة الجماعة التي تمنح الإنسان نوعًا من الدفء والشعور بالانتماء لما توفره التربية والتنشئة الاجتماعية من صفات وأبعاد تؤمن للفرد نوعًا من الارتياح وعدم الخوف من الآخر والمستقبل.

فالفلاسفة في تصورهم للسعادة حاولوا أن يجعلوا منها مطلبًا في العيش بهدوء من دون صعوبات، إلا أن الطرائق كانت متباينة في الميل نحو تصورات تعتبر فن الحياة السعيدة في العقل واللذة العقلية عند الإقبال على تحصيل العلوم والارتقاء بالمدارك نحو السمو وإزالة الجهل والقصور العلمي من عالم سيادة اليقينيات الراسخة بفعل معرفة جزئية ومزيفة. وهناك من اعتبر فن السعادة في اللذات الحسية البدنية وفي شعور الإنسان بالحياة السعيدة في توازن العقل والجسد. في العفة والاعتدال وتلبية المطالب الروحية والجسمية. فالتناسق بين العالم الملائكي والعالم الجسماني ضروري. وتلك من المطالب الأساسية في الشريعة الإسلامية باعتبار الإنسان جسد وروح. بينما يعتبر البعض الآخر أن فن الحياة السعيدة في القلب والإشراق والعبور بالذات نحو التخلص من بضاعة العقل حسب رأي أبي حامد الغزالي. الخلوة والعزلة والخروج من جديد إلى العالم المادي الواقعي. يصير العالم أوسع وأرحب في نيل المكارم والثبات على القيم. يمكن القول إجمالًا أن فن الحياة السعيدة يمكن تلقينها بالتربية من قبل الآباء. في الابتسامة ونشر المحبة وعدم الكلام بسوء أمام الأطفال واختيار الكلمات المناسبة في لحظات معينة. يستمع الأبناء لكل ما يدور من نقاشات داخل الأسرة.

الحياة السعيدة ممكنة بشروط وفي ارتباط بعامل الزمن والتربية والمران واكتساب الأبناء لصفات حميدة من الأسرة والمدرسة ومن المجتمع السليم. وفي إسعاد الناس في تبادل الخبرات والنصح وتلقين الكل فن السعادة في الثبات على المبادئ والقيم. الفلاسفة والمتصوفة وعامة الناس لهم بالفعل ثمثلات وآراء في سبل تحصيل السعادة. أما الميل الكامل في تحقيق الرغبات كما قال الفيلسوف الألماني شوبنهاور فيولد في الإنسان خيبات الأمل دون أن تتحقق الرغبات بالكامل. المشكلة هنا في عدم التجانس والانسجام بين الفعل الإرادي والرغبات هو السبب الرئيسي في زيادة المتاعب والشعور بالتعاسة، وهذا لن يؤدي إلى طريق السعادة. فالإنسان السعيد من يمتلك قوة ونظرة للحياة السعيدة بعيدًا عن الكلام في التعاسة وبعيدًا عن الحسرة والندم، وكل إنسان يميل إلى التفاؤل وزرع الفضائل والثبات على المبدأ والبحث عن التوازن في الذات والتوازن في قلب المجتمع.

إنها معادلة ليست بالصعبة والمستحيلة بل معادلة تستند كما قال أرسطو إلى المثابرة والعناء وعامل الزمن. السعادة لا تأتي دفعة واحدة بل بالتدرج والتسلسل والتربية. وتنقل للأبناء في حالة التنشئة السليمة وتربية ملكة الذوق والتفكير دون أن نجعل الأطفال يشعرون بالملل والتعاسة من كلامنا وسلوكنا هنا يبقى السؤال في السعادة قائمًا كيف نجعل الناس سعداء؟ وما هي مواصفات الحياة السعيدة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد