الراكضون خلف التغيير هم بمثابة كتاب يتخذون من اللغة منصة للقفز نحو عالم حر، ربما قد يشمل مصطلح التغيير الواقع المعاش أو قد يتجاوز الوضع الاجتماعي ليشمل الحالة السيكولوجية للإنسان. لكن هل يمكن لعبارة «الراكضون خلف التغيير» أن تحجب الجانب المادي للكاتب وتصبح مجرد رغبة ملحة في الكتابة يفضل من خلالها المؤلف الاستشهاد جوعًا بدلًا عن الركض خلف المال؟ وهل الكتابة شغفًا في المال تضرب بعرض الحائط مبادئ وقيم المبدع؟ وهل يمكن اعتبار الراكضين خلف الأضواء أناسًا يتسمون بصفة المؤلف أم أن الكتابة من أجل الشهرة مجرد وسيلة لا غاية؟

في كتاب «أصوات كتاب المغرب» وهو عبارة عن مؤلف شارك فيه 30 كاتب وكاتبة مغاربة وأجانب، تقاسم فيه المشاركون شغف الكتابة مع القارئ، حيث عرض كل واحد منهم تصوره للكتابة والأدب والعلاقة الجمة التي تربطه بها وأهميتها في حياته ككاتب.

في هذا الكتاب اعتبر الروائي المغربي «مأمون الحبابي» أن الحياة التي تخلو من الأدب جسد بلا روح. كما اعتبر الكتابة أيضًا بأنها نوع من البحث عن الذات، ومجرد هروب من الواقع المعاش ومحاولة تغيير ما يمكن تغييره.

كثيرًا ما يتبادر للكاتب سؤال بينه وبين ذاته وهو: لماذا تكتب؟ أو ما العلاقة التي تربطك بالكتابة؟ اختلفت أجوبة الكتّاب بنظرتهم للكتابة وأهدافهم منها، لكن يبقى شغف الكتابة والتعلق بالأدب هو ما يوحدهم. فحينما طرح التساؤل على الأديب البرازيلي جورج أمادو قال: أكتب لكي يقرأ لي الآخرون، ولكي أؤثر فيهم، ومن ثمة أستطيع المشاركة في تغيير واقع بلادي وحمل راية الأمل والكفاح. أما توفيق الحكيم فقد أجاب قائلًا: أنا لا أكتب إلا لهدف واحد هو دفع القارئ للتفكير.. وبعد 100 كتاب.. أعتقد أن أعمالي غير مجدية. في حين أن يوسف إدريس قال: أكتب لأني أحيا، وأستمر في الكتابة لأني أطمح لحياة أفضل. أما الأديب الصيني باجين فقد قال: أمارس الأدب لكي أغير حياتي وبيئتي وعالمي الفكري. كما اعتبرت الكاتبة الفلسطينية أثير صفا أن الكتابة هي الشكل الأمثل في التعبير عن أفكارها، كيونس الذي يتململ في بطن حوت، لا بد أن يلفظ. أما محمود درويش فأجاب: أكتب.. لأني بلا هوية ولا حب ولا وطن ولا حرية. وقال الأديب التشيكي ياروسلاف سايفرت: أكتب.. ربما تعبيرًا عن الرغبة الكامنة في كل إنسان في أن يخلف وراءه أثرًا.

أما فيما يخص الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز فقد اعتبر أن الكاتب الجيد سيستمر في الكتابة وإن لم يجد ثمن ترميم حذائه، كما أضاف قائلًا: أي سر هو هذا الذي يجعل مجرد الرغبة في رواية القصص تتحول إلى هوى يمكن لكائن بشري أن يموت من أجله، أن يموت جوعًا، أو بردًا، أو من أي شيء آخر لمجرد عمل هذا الشيء الذي لا يمكن رؤيته أو لمسه.

هؤلاء الكتاب تعلقوا بالأدب أكثر فأضحت الكتابة جزء من كينونتهم الإنسانية. فقد اعتبرو الفكرة الأسمى التي تستحق أن يحاربوا من أجلها هي الكتابة قبل الشهرة أو المال، فإن تحققت الرغبة أولًا فلابد من كسب بعض المال ثانيًا. لكن الإشكالية التي تثير نوعًا من الاستغراب هي الكتابة من أجل الشهرة، فمن غير الممكن أن نستبعد الرغبة في الكتابة ونتحدث فقط عن شغف الشهرة، لأن الرغبة هي الركيزة التي تسمح للشخص بأن يتبوأ بها منزلة كاتب. وفي هذا الصدد فإننا نستحضر غابرييل حينما قال: أكتب لكي أنال المزيد من حب أصدقائي. أما دستويفسكي فقد قال: كنت وما زلت أعتبر مهنة الكتابة من أنبل وأنفع المهن، وإنني لمقتنع تمامًا من نفعي في هذا المجال، فلربما استطعت أن ألفت الانتباه مجددًا والحصول على اسم جديد لامع يضمن وجودي.

لا يمكن الاستغناء عن شغف الكتابة والاقتصار فقط عن الشهرة والمال، فإن تفردت كل واحدة منهما عن الرغبة، فإننا سنتحدث عن كيان مجرد من مجموعة من القيم والمبادئ، حيث إن تلك الرغبة هي ما تميز الكاتب الجيد عن غيره ومدى ارتباطه بالأدب مع أنها قلما ما تسمح له بإعالة نفسه والعيش بكرامة ورفاه. لكن هل يمكن اعتبار مهنة الكتابة تحفيزًا للكاتب نظرًا لما تخلفه له من نذر يسير؟ أم أن الرغبة هي التي تولد في النفس تلك الطاقة التي لا يمكن كبح لجامها بمسميات الظروف؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد