(لم أمر بالكثير من خيبات الأمل طوال حياتي، وإن أحصيت عددهم، فلن يزيدو عن أصابع اليد الواحدة، ولا أتذكر مرة لم أبحث فيها عنك يا صديقي كي تمحوها عني؛ فأنت ملاذي الوحيد كلما ضاقت بي الدنيا).

لا أعرف أي عبقري قد كتب هذه الكلمات، ففي كل مرة أقرأها أبحث حولي علني أجد كاتب هذه الكلمات يراقبني من زاوية ما. كلماته تلامس روحي وتصفني بعناية. فالزواج وإن كان يحتل المرتبة الأولى في القدسية فالصداقة تليه، وامتلاك صديق أشبه بامتلاك روح أخرى تلجأ إليها عندما تضيق بك روحك الأولى. تشعر بأنه ملجأك من الهموم ومنقذك من ويلات الألم. في حضرة الصديق تتلاشى بينكم الحواجز ويرفع الحرج، تتحدث بلا خوف ولا تحسب لما تلقيه بالًا، تحبه بلا حاجة، تخاف عليه وتترقب زيارته بلا منفعة، وتهتم بحزنه وفرحه بلا سبب. في حضرته ينقشع البغض ويزول الحقد ويولي الألم أدباره. إن زيارة الصديق أشبه بزيارة البيت المقدس، والحديث معه كالطواف حول الكعبة، ترجع من عنده مُنقى من همومك وأحزانك.

أما الوحدة فإنها الجحيم على الأرض، تحرق عقلك وقلبك. بها تُصادق الألم وتصاهر المعاناة، وتعيش التخبط فما مِنْ مرشد وما من دليل. لا ينجو من براثنها إلا ثلاثة: أحدهما ذاق الحب فلم يعد له حاجة في صديق، والثاني وجد مع ذاته السلوى، والثالث عرف الأنس بالله، فالأول والثاني خسرا القليل، أما الثالث فلم يخسر شيئًا.

ووجود إحداهما – الصداقة والوحدة – يلغي بالضرورة وجود الأخرى، فلا عرف معنى الوحدة من امتلك صديق، ولا ذاق حلاوة الصداقة من أحس الوحدة يومًا.

ولعل ما أعطى تلك الرابطة قدسيتها؛ أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وأن بعض العلاقات الطيبة كالصداقة كفيلة بأن تغمرك بالسعادة، فقط إن كان لديك القبول لخوض مثل هذه العلاقات التي لا يقوى على حملها إلا الأوفياء، أما القول بأن الإنسان كائن انطوائي محب للعزلة، فهذا برأيي ضد ما جُبلنا نحن البشر عليه، وإن كانت بعض الدراسات لتؤكد ذلك القول.

ففي دراسة أجراها شاشتر (وهو عالم نفساني أمريكي) عام 1959 م حول دور الصداقة في خفض القلق، ومعرفة ميول الإنسان الاجتماعية في أوقات الشدة والخطر، قام بإثارة قلق مجموعة من الفتيات بأن أخبرهن أنهن سيتعرضن لصدمة كهربائية، وقام بتوزيع درجة القلق بأن أخبر بعض الطالبات بأن الصدمة ستكون مؤلمة، ولكن لن تترك أثرًا جسمانيًا دائمًا (مجموعة القلق المرتفع)، وأخبر المجموعة الأخرى بأن الصدمة ستكون خفيفة، ولن تحول دون استمتاعهم بالتجربة (مجموعة القلق المنخفض)، ثم أخبر الطالبات (في كلتا المجموعتين) بأن عليهن الانتظار لمدة عشر دقائق قبل تقديم الصدمات، وخيرهن بين الانتظار بمفردهن أو مع بعضهن البعض. كشفت التجربة أن 62.5% من الطالبات اللاتي توقعن صدمة مؤلمة قد فضلن الانتظار معًا، في مقابل 33.3% فقط من الطالبات اللاتي توقعن صدمة خفيفة؛ مما يفسر أن الأفراد يميلون إلى التجمع بهدف خفض القلق، وأن مواقف الشدة تزيد الرغبة في إقامة صداقات.

في حين أثبت العلم أن الصداقة لم تعد من الكماليات الاجتماعية، بل أصبحت ضرورة من أجل صحة الإنسان، قامت دراسة أسترالية أقيمت في مركز أبحاث الشيخوخة بجامعة فلندرز بأستراليا، بمراقبة 1500 شخص من كبار السن لأكثر من عشر سنوات. وُجِد أن الشخاص الذين تكون دائرة أصدقائهم أوسع، يزيد طول عمرهم بنسبة 22% أكثر من الأصدقاء الذين لديهم دائرة أصدقاء أصغر. كما نشرت مجلة  SCIENTIFIC AMERICAN  بحثًا عن أهمية الصداقة في عملية التطور الإنساني، ودورها في تخفيف مستوى الإجهاد البدني، ودورها في زيادة النجاح التناسلي وطول العمر أيضًا.

كما وجدت دراسات أخرى نشاطًا زائدًا في أدمعة بعض من يعانون الوحدة، وكشفت عن قدرتهم الزائدة على الاستجابة لأي سلوك سلبي في المجتمع؛ مما يشكل بالطبع عبئًا على أدمغتهم.

ومن المؤسف أن مفهوم الصداقة قد تقلص في مجتمعاتنا العربية، وغاب عنها ذلك البعد الأخلاقي الهام. وإن كنت أرى سببًا أساسيًا لذلك؛ فهو تمسكنا بالوجه القبيح فقط لمواقع التواصل الاجتماعي، فتظن نفسك بضغطة زر، وإبداء إعجابك بمنشور أحدهم أو إرسالك رسالة له، أنك بذلك طلبت ودّه، وأسرت قلبه وعقله، والحقيقة أنه لم يجمعكما أي وِدٌّ ، ألا تعلم أن أثير الحب لا يتلاقى عبر الهواء والأسلاك! وأن حاجز المكان وطول الغياب صخرتان تتحكم عليهما صداقاتكما! وأن لحظة لقاء خير من ألف رسالة؟

والسبب الآخر بنظري هو البعد الفكري الواضح بين أبناء الجيل الواحد أنفسهم، ولنأخذ جيل الشباب في سن العشرين كمثال، تجد البعض منهم أكبر مشاكله هو خسارة فريقه المفضل، بينما تجد القلة الآخريين أقل ما يقلقهم هو كيفية إصلاح أنفسهم كي يصلحو مجتمعهم، هذا الفرق افكري الواضح بين أبناء الجيل الواحد سببًا رئيسيًا في ضيق حلقات الصداقة أكثر فأكثر.

بالطبع لسنا هنا بصدد تقديم نصائح بخصوص اكتساب الأصدقاء؛ فكل ميسر لما خُلق له، لكن إن أردنا حقيقة استرجاع قيمنا المفقودة، فمنذ الصغر نبدأ وبالأطفال نهتم، فإعطائهم المساحة لتكوين صداقات حتى وإن لم تدم سيعمل على ترسيخ مفهوم الصداقة لديهم. وأما ما بعد مرحلة الطفولة فاعلم يا صديق أنه ما من شيء يقوي عقلك ويهذب روحك أفضل من امتلاك صديق، فابحث عنه حتى تجده.

ولتتفكر معي أيها القارئ، ماذا لو تقطعت روابط الصداقات عند الجميع؟ أي حياة سنحياها؟ بل تفكر معي: ماذا لو استطاع الإنسان بطريقة ما تكوين صداقات مع كل البشر؟!

الإجابة ستكون صادمة بالطبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب الصداقة من منظور علم النفس.
The importance of being social
عرض التعليقات
تحميل المزيد