استضاف «بابا كوستا كافي» بمقره الكائن بشارع الجمهورية بالعاصمة السودانية الخرطوم حدثًا مميزًا تمثل في المعرض الفني الأول الذي تقيمه طبيبة الإحساس والمُعالِجة بالألوان الفنانة د.عُزاز الشيخ، وهي طبيبة امتهنت الطب وبرعت في رسم الصحة والعافية وترجمة الإحساس من خلال الريشة، وهو أول معرض منفرد لها بعد أن شاركت في معارض كثيرة جماعية ومعارض أخرى ثنائية.

وقد برعت طبيبة الأبدان فيما فشل فيه نظراؤها من تحريك أحاسيس ومشاعر كامنة في نفس الإنسان، حيث أتى المعرض معبرًا عن الواقع السوداني بأفراحه وأحزانه، وقد لمستُ ذلك عند زيارتي للمعرض من خلال التنوع الذي صاحب اللوحات مع إحساس سوداني وأفريقي خالص يخالطك منذ ولوجك للمعرض.

وحول تسمية المعرض بـSense Gallery تقول الدكتورة عُزاز الشيخ إن اسم المعرض أتى من حقيقة أن كل اللوحات تتحدث عن الإحساس، وتُرسل رسائل مختلفة تعتبر ترجمة لإحساس الإنسان السوداني حيث احتوت بعض اللوحات على علم السودان القديم الذي يُشار إليه باعتباره رمزًا للاستقلال، كما تناولت لوحة أخرى سيدتين بالزي السوداني وقد رُسمت اللوحة على خلفية صفراء مما منحها إحساسًا بالعمق.

وقد كانت معاناة إنسان السودان أيضًا حاضرة في معرض الإحساس، حيث أفردت الفنانة لقضية جنوب سودان حيزًا كبيرًا وترجمت إحساس إنسان الجنوب بالحزن العميق جراء الانفصال، حيث احتوت إحدى اللوحات على وجه من جنوب السودان إضافة لخارطة السودان القديمة ما قبل الانفصال، وقد اُستخدم اللون الأسود للدلالة على الحزن حيث رسم الشطر الشمالي من السودان باللون الأسود بينما رسم الإقليم الجنوبي باللون الأحمر القاني لون دماء الشهداء الذي تخضبت به أرض الوطن، يُشار إلى أنه عادة ما يُستخدم اللون الأسود للدلالة على القوة ولكن في هذه اللوحة تستعيض عنه الفنانة بإحساس الحُزن، ذلك الإحساس الذي عايشه إنسان السودان جنوبه وشماله.

كان للبيئة المحيطة حضور لافت أيضًا في المعرض حيث استعانت الفنانة بعناصر من بيئتها المحيطة وعملت على إدخالها في لوحاتها مما أضفى على اللوحات لمسة جمالية وربطها أكثر ببيئة الفنان، كمثال على ذلك استخدمت الفنانة مادة قشور البيض وأضافتها للوحاتها وعن ذلك تقول عُزاز «إن استخدام مواد موجودة في البيئة في اللوحات موجود من قبل وقد أضفت قشور البيض لمسة جمالية على اللوحات بمنظرها الجميل وشكلها البارز على شكل نتوء في اللوحات».

وقد كان الانتماء الأفريقي حاضرًا أيضًا حيث طغى النمط الأفريقي على معظم جوانب المعرض وقد بدا ظاهرًا بقوة في أشكال اللوحات والألوان التي استخدمت لرسمها، حيث عبرت عن الفلكلور والتراث الأفريقي بما يميزه من كثرة الألوان والأشكال لتنصهر في الثقافة السودانية التي تعتبر امتدادًا للعمق الأفريقي للبلد، حيث كان الثوب السوداني الذي تتوشحه حواء السودان حاضرًا بقوة معبرًا عن ذلك الإحساس، وتقول عُزاز «إن الإحساس عبارة عن طاقات كامنة يخرجها البعض عن طريق الكتابة أو الكلمات ولكنني أعبر عنه عن طريق الألوان مترجمةً إياه إلى لوحات فنية».

وتُعد مثل هذ المعارض رغم الإمكانات المتواضعة وقلة رأس المال المستثمر في الفن وعدم تخصيص ميزانية من الدولة توجه بصورة واضحة لدعم تنمية الإبداع، ذات أثر عميق في تنشيط الحراك الثقافي في البلاد، وتعد كذلك عنصر جذب وعاملًا تشجيعيًّا للكثير من صغار الفنانين والرسامين للاستفادة من الخبرات المتراكمة لمن سبقوهم في المجال، حيث تهدف هذه المعارض في الأساس إلى تبادل الآراء والخبرات حول موضوع الرسم، لتعود بمنافع مشتركة لصاحب المعرض والزوار كذلك، حيث تحرص الدكتورة عُزاز على الاستفادة من كل الخبرات التي تراكمت عبر عقود عن طريق ريشة الرسم لرسامين كبار.

وقد صاحب المعرض فعاليات ثقافية وأدبية زينت لياليه وحركت ما سكن من إحساس في دواخل كل من زاره ومتع ناظريه بالنواحي الجمالية في معرض الإحساس الأول، لتظل تلك الصورة الجميلة التي رسمتها عُزاز الشيخ مُختزنة في ذاكرة الكثيرين مذكرةً اياهم أنه ثمة جمال كامن في الكون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد