إن كنت من جيل 1980 وانت طالع توقف لحظة ! “الفن يمسح عن الروح غبار الحياة اليومية” بابلو بيكاسو، يعلم الله أني كففت قلمي لأن لا أحد يحتمل وجعا إضافيا أو حملا هادا، فتشت في أوراقي عن بهجة ما أو ضحكة.

 

ما تشاغلني فأنسج خيوطها، فما لقيت إلا صمتا كلما بحثت عن شهقة انبهار من أثر الجمال شهقت من أثر البكاء. إن كنت مهوسا مثلي بالإشارات و الرسائل الإلهية ستطرب لقصتي تلك، ابتداء سمعت اسم تلك المسرحية فقررت البحث عنها، وبدأت في مشاهدة مقاطع متفرقة، ثم بدأت في إعادة مشاهدة تلك المقاطع، ووضعت على قائمة مؤجلاتي حضور عرض لمسرحية (1980م و انت طالع).كنت أعلم تماما أنني أجيد التسويف و أن مشاهدة العرض سيبقى حلما مرجأ. ركن حلمي الصغير ذاك على رف كبير من الأحلام، فاتسع له الرف كما اتسع لغيره، ومرت الحياة كما تمر دوما. وبعد ذلك بشهور وهكذا  فجأة، هكذا بلا ترتيب تلقيت عرضا ما لمشاهدة العرض، أدهشني العرض، تُقتُ إلى ذلك العرض المترصد بي بطريقة ما.

 

فهرنهايت 451 و مسرحية 1980 و انت طالع.

رواية راي برادبري تلك، تحكي عن عصر مجنون تتم محاكمة الناس فيه بتهمة حيازة الكتب فتحرق الكتب ويحرق معها حملتها، أحيانا كثيرة رمزية الاسم تكمن في أن تلك درجة الحرارة التي تحترق عندها الكتب. تغلب مجموعة من حملة الكتب على تلك الجريمة بأن يحفظ كل منهم كتابا ما عن ظهر قلب، بعدها يتوجهون إلى أطراف المدينة منتظرين انتهاء ذلك الحكم المجنون.

 

فكرت كثيرا طوال قراءتي للرواية، ماذا لو ترك كل قابض على إنسانيته، جنونه، حبه، جماله ذلك البلد الموبوء وفر منها حيث أطراف البلد؟ راقت لي الفكرة كثيرا فتماديت في تخيلها، لكني لم أتصور أبدا أن مجموعة من الفنانين الشباب أطلوا كنجوم في ليلنا المعتم الطويل، لم يخبرني أحد أن كلا منهم حمل موهبته وحلمه وخيبات جيل بأكمله سواء أكانت خيبات شخصية أو كسرة ظهر ذلك البلد، وارتحل عن قبحنا جميعا ليخرج علينا بصورة طغى فيها الجمال، صورة نضحت بالضحك و البكاء. لن أبالغ مطلقا إن قلت إنهم صنعوا مدينتهم الفاضلة على مسرح الهوسابير.

 

هل التقيت بشخص يتكلم بقلبك؟

صدقني، ستدهش، ستبكي؛ لأن أحدهم فهم قلبك، وحرقته إلى هذا الحد، ستندهش؛ لأنهم صرخوا بما كتمته حتى كاد يقتلك، ستبهرك صرختهم أنت الذي ألفت الصمت، وهو الذي لم يكن يوما عندك بعزيز. سترى جزء من روحك في لمعة عيونهم تلك التي تجبرك أن تتساءل: كيف افتقدت عيناي لمعتها كنت أملك لمعة كتلك؟ ستحب رنة أصواتهم جميعا تلك التي تذكرك بهتافك يوم كنت تهتف. ستضحك، لكن الأكثر أنك ستأنس بضحك الآخرين، أنت الذي اعتاد البكاء الجماعي. ستخرج آهتك رغما عنك مرات عدة. ستبكي لأنهم مسوا أكثر من جرح مفتوح، لأنك لم تقنع نفسك بسكونك فتركت جرحك على علته، و تركت روحك قفرا سيثبت لك هؤلاء الفتية أن جرحا مفتوحا لن يداوى بالصمت. سترى نفسك ـ لا محالة ـ في مراياهم. ستشعر بألفة ما بصلة ما ستخرج مدركا أن أفكارك المهلكة تراود آخرين أنت فقط الذي ضاقت رؤياك.

 

ضمير الفنان

كنت قد ضقت ذرعا بالفن وأهله كما ضاقت بنا بلدنا، حتى تسربت أعمارنا، وأرواحنا من بين يديها، كنت اعتزلت مشاهدة أي عمل؛ كي لا أواجه تناقضا ما أذكره بين حسن الممثل وأدائه وقبح ذات الفنان وآراءه. لكنني فوجئت بالصدق، سحرتني أرواحهم أسروني بجمالهم كدت أختنق بالعبرات في وقت المغادرة لم ألتقط معهم صورا للذكرى علنا نلتقي مرات أخرى.

 

وددت لو ذكرت أسماءهم اسما اسما وأرفقت صورا لهم وحدثتك عن عظمة مواهبهم، ولكني تركت لك متعة الاكتشاف.

 

لمشاهدة العرض

مسرحية 1980 و أنت طالع

صفحة الفريق ستتكفل بك

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد