995

«حتى لو مت أنا، فالدعوة لا تموت، هذه الدعوة هي دعوة الله، بدأت في الأزل وستستمر إلى الأبد».

هذه الكلمات البسيطة المرتبة في جمل صغيرة قالها أرطغرل في الحلقة 96 من مسلسل قيامة أرطغرل، عندما عاتب أسياد قبيلته الذين وقعوا في الغفلة، وتخلوا عن مبادئ دعوتهم، وضربوا بعُرض الحائط وصايا سيدهم أرطغرل، ظنًّا منهم أنه قد قُتل؛ ليعود أرطغرل في مشهد تاريخي ويقول هذه الجملة.

هذا مشهد واحد من بين الكثير من المشاهد في المسلسل ذاته، التي يخشع عندها المُشاهد ويرِقُ قلبه ويشعر بالفخر والحسرة معًا؛ فخرٌ بأن قادتنا وروادنا كانوا على منهج واضح ولا تأخذهم في دين الله لومة لائم، ولم يكسروا عاداتهم والمبادئ التي ساروا عليها، ولم يضعفوا أمام عواطفهم؛ وحسرةٌ على ما وصلنا إليه في زماننا هذا من ضعف وهوان.

في ليلة وضحاها أصبحنا نرى القنوات التركية تروج لنوع جديد من الدراما، غير مألوف على ساحة المسلسلات والأفلام؛ بل على نقيض منها، دراما جديدة تحمل طابعًا إسلاميًّا تاريخيًّا، واللافت في الموضوع هو تفوق هذه المسلسلات الجديدة على غيرها من كثير من المسلسلات، من حيث نسب المشاهدة داخل تركيا وخارجها.

أما أبطال هذه الأعمال التاريخية، فجميعهم من أجداد وقادة بني عثمان، فالبداية كانت مع محارب القرن الثالث عشر الغازي أرطغرل بن سليمان شاه والد عثمان، القائد الذي وضع البذرة الأولى لنشأة الدولة العثمانية، أما السلطان محمد بن مراد الثاني الملقب بـ‏«محمد الفاتح» فهو فاتح القسطنطينية التي بشر النبي –صلى الله عليه وسلم– بفتحها، إذ قال مبشرًا بفتحها ومُثنيًا على فاتحها: «لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش»، أما السلطان عبد الحميد الثاني فهو الخليفة السابع والعشرين من خلفاء الدولة العثمانية، الذي رفض بيع أو إعطاء شبر واحد في فلسطين لصالح اليهود، أما كوت العمارة يتحدث عن معركة حصار الكوت التي وقعت بين الجيش العثماني والجيش البريطاني في مدينة الكوت على نهر دجلة؛ حيث انتصر فيها العثمانيون بقيادة خليل باشا بعد انسحاب الجيش البريطاني، ومن أجمل ما قيل عن هذه المعركة، هو قول القائد خليل باشا نفسه عن المعركة إذ قال: «إن ثبات العثمانيين كسر عناد الإنجليز، وأن التاريخ سيواجه صعوبة في إيجاد كلمات لتسجيل هذا الحدث».

لا شك أن تركيا من خلال إحداثها هذه الثورة في عالم الدراما تعيد صياغة الوعي الإسلامي، وتنشر روح الوحدة الإسلامية والعزة والكرامة التي مسحها وضيعها المئات من المسلسلات والأفلام التي تحرك الغرائز وتثير الشهوات فقط، دون أن يكون لها أي قيمة أو فائدة.

ولا شك أن تحمس الشباب لمثل هذه المسلسلات، وإقبالهم الكبير عليها؛ لَهُو نتيجة الوضع العام الذي يعيشه شبابنا هذه الأيام، فأينما تولّي وجهك هذه الأيام تجد حربًا هنا، ودمارًا هناك، وشقاقًا هنا، وتنازلاً هناك؛ فالشباب كانوا بحاجة ماسة لمثل هذه المسلسلات حتى تبعث فيهم روح العزيمة والإصرار، وتعيد تصوير أجدادنا وقادتنا على الصورة الصحيحة؛ التي تعمد غزاة التاريخ أن يشوهوها وأن يحرفوها عن سياقها الصحيح.

تفاعُل الجمهور مع هذه المسلسلات كان لافتًا أيضًا؛ فبعض الشباب أصبح أقصى مناه أن يقتني خاتم تورغوت، أو قبعة أرطغرل، أو طربوش عبد الحميد، أو حتى علم قبيلة الكايي، بعض الناس أخذتهم الحماسة حتى أسموا أبناءهم بأسماء أبطال هذه المسلسلات مثل أرطغرل ومحمد الفاتح، وحتى إن بعضهم أصبحوا يقلدون حركات الممثلين، مثل وضع اليد على القلب عند ذكر النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – وأيضًا وصل التفاعل إلى متابعي هذا المسلسل من السياسيين؛ فنرى الأستاذ خالد أبوهلال من فلسطين يستخدم جملة «فلتعش جهنم لأجل الخونة» في إحدى مداخلاته على قناة الجزيرة! وغيرها الكثير.

في النهاية، على الرغم من كون هذه المسلسلات مطلوبة وبشدة ويجب دعمها، والمواصلة في إنتاج مسلسلات في السياق نفسه؛ فإن علينا جميعًا ألا نغرق في بحر الماضي، وألا تكون حماستنا لحظية فقط، وألا نبقي المشاهد الدرامية محط إعجابنا فقط؛ ولكن علينا أيضًا أن نستحضر الماضي المشرق، ونجعل منه نقطة إنطلاق نحو مستقبل أفضل، علينا أن نُسقط هذه القيم المستوحاة من هذه المسلسلات على أرض الواقع، فهكذا كان أجدادنا وقادتنا، وهكذا يجب أن نكون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك