سنة 1995، اقتحم رجل خمسيني بنكين في وضح النهار في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، ثم ألقت الشرطة القبض عليه بعد ساعات قليلة. قد تبدو هذه القصة عادية جدًا، فقد كانت عمليات السرقة تحدث يوميًّا في الولايات المتحدة، وأحيانًا بأسلحة بيضاء فقط، لكن الغريب في الأمر أن الرجل لم يتنكر أو يرتد أي قناع خلال عملية الاقتحام، ولم يهرب خارج البلد بعدها -مثل اللصوص الكبار- أو حاول الاختفاء عن الأنظار -مثل المجرمين-، ولم يكن في عجلة من أمره، بل حتى أنه كان ينظر مبتسمًا إلى شاشات الكاميرا. وعندما ألقت الشرطة القبض عليه بعد ساعات قليلة في منزله، لم يصدق الرجل أن الجميع كان يستطيع رؤيته.

لم يصدق آرثر ويلر أنّ الجميع شاهده عندما اقتحم البنكين، كما لم يصدق أن كاميرا المراقبة تمكنت من تصويره، فقد كان يعتقد أن عصير الليمون الذي طلى نفسه به يساعد على الاختفاء. لم يكن الرجل مريضًا نفسيًّا أو مجنونًا، بل كان ببساطة يعاني من «وهم التفوق»، أو ما يسمى علميًّا بـ«تأثير داوينينغ كرويغر» نسبة للعالمين اللذين درسا حالة آرثر في ذلك الوقت. وما أشبه حالة آرثر بما قامت به المملكة السعودية عندما اغتالت أحد مواطنيها في قنصلية دولة ذات سيادة، في منطقة مدججة بكاميرات المراقبة. كيف يمكن تفسير كل ذلك؟ بينما كان من الأسهل اغتياله في الشارع دون أن يتركوا أي دليل، سوى بعض الشبهات التي لا تقوم محل الأدلة القطعية التي تدينها. ربما هو ببساطة «وهم التفوق» الذي دفع آرثر ميلر للاعتقاد بأن عصير الليمون يجعله خفيًا، وهو الوهم نفسه الذي دفع السعودية للاعتقاد عندما صمت الجميع، بأن اغتيال رجل في قنصليتها على أرض دولة أخرى لن يكون أصعب من شن حرب على اليمن؟ هذا الوهم البغيض هو المفتاح لفهم أفعال كثيرة كانت سببًا في المصائب التي حلت بمنطقتنا منذ الحرب العربية إلى يومنا هذا.

لا أستغرب أن تغتال دولة مثل السعودية رجلًا مثل جمال خاشقجي، فحتى أكثر الأنظمة «ديمقراطية» تلاحق أعداءها في كل دولة -رغم أن ذلك لا يجعله أمرًا صائبًا من الناحية الأخلاقية-، لكن أن تغتال دولة أحد مواطنيها داخل قنصليتها على أرض دولة أخرى فهذا أمر عجيب حقًّا، وهل هناك شيء قادر على تبرير استعمال العنف في مواجهة الكلمات؟ إن نظامًا يلجأ للرصاص في مواجهة الكلمات، مهما كانت تلك الكلمات مزعجة هو نظام ضعيف، فالقوي ليس بحاجة لاستعمال العنف حتى يثبت قوته في مواجهة الكلمات. وأن يغتال نظام ما كاتبًا وصحافيًّا خارج وطنه ليس أسوأ ما يمكن أن يحدث، لكن الأسوأ من ذلك أن نحاول تبرير عملية الاغتيال، تحت مسميات «خيانة الوطن والتآمر على الدولة»، ثم إن خاشقجي كان يمثل لدى فئة واسعة من العائلة الحاكمة صوت العقل في مواجهة دعوات العنف والتصفية السياسية لكل الأصوات المعارضة لابن سلمان، ما يعني أن اغتياله (إن ثبت طبعًا) إما أن يصعد سقف العنف السياسي للنظام السعودي، أو أن يعجّل بتشكل كتلة جديدة في مواجهة ابن سلمان.

ما زاد غرور الدولة، إلا وازداد معه غباؤها السياسي. إن اغتيال خاشقجي لا يمكن أم يكون فعلًا صائبًا من الناحية الأخلاقية، لكنه أيضًا قد لا يكون فعلًا صائبًا من الناحية السياسية، وقد يكون لعمليات الاغتيال مبرراتها من الناحية السياسية، لكن اغتيال خاشقجي قد يكلف السعودية أكثر مما كانت ستكلفها كلماته. فدعوات خاشقجي الإصلاحية كان لها من يدعمها، ليس فقط من عامة السعوديين، بل أيضًا بين الأكثر اعتدالا داخل العائلة الحاكمة. وما أسكت النظام صوتًا ما، إلا وظهر عدد أكبر من الأصوات يحمل الدعوة نفسها التي تستمد قوتها من المرجعية الفكرية لمن سبقها، ولذلك فإن النظام الذي يوظف العنف لإسكات شعبه هو نظام يفتقر إلى القوة الحقيقة التي تستند عليها أكثر الأنظمة دعمًا له، فإدارة ترامب ليست على استعداد لوضع نفسها في مواجهة الرأي العام الأمريكي من أجل السعودية، رغم أنها تتفهم مخاوف النظام السعودي أو ربما تشاركه المخاوف نفسها.

من الواضح جدًا أن النظام السعودي قد وضع نفسه في موقف سيئ، ربما بسبب «وهم التفوق» أو تقييم خاطئ للتكلفة السياسية لاغتيال خاشقجي، لكن من المستبعد أن تأخذ الحادثة منحى أسوأ خلال الأيام القادمة، بل قد تنتهي بتسوية سياسية لديها مبرراتها بين المملكة السعودية وتركيا والولايات المتحدة. ولا تعني هذه التسوية بأي شكل من الأشكال أن السعودية قد صارت في حل من التبعات السياسية لعملية الاغتيال داخليًّا أو خارجيًّا، بقدر ما يعني ذلك أنها قد تخرج هذه الأزمة بأخف الأضرار على المدى القريب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد