مدد الرئاسة في الدساتير المصرية

تكشف التعديلات المقترحة على الدستور المصري الحالي، والصادر في 2014 وجهًا يسعى للسيطرة على باقي السلطات القضائية والتشريعية، ويؤدي إلى تمديد الرئاسة لـ12 عامًا إضافية، من خلال إطالة المدة الرئاسية إلى ست سنوات ووضع مادة انتقالية تتيح للرئيس الحالي الاستمرار في الحكم، وهذا ما يعنيه تعديل المادة 140 بوضعها الحالي بانتخاب الرئيس لمدتين فقط، والتي حظيت بانتقادات عدة من جانب المؤيدين لنظام السيسي، وكان انتقادهم الرئيسي أن الظروف السياسية التي وضع فيها دستور 2014 تختلف عن الوضع الراهن، وأن مصر بحاجة للأمن والاستقرار، وأن المدتين الرئاسيتين -الثماني سنوات- غير كافيتين للرئيس لاستكمال خطواته، ورغم أن الرئيس السيسي سبق له في حوار إعلامي بالبرتغال أن رفض تعديل هذه المادة مؤكدًا احترامه لمبدأ المدتين.

من جانب آخر سبق أن أشار الرئيس السيسي في لقاء بشباب الجامعات أن الدستور وضع بنوايا حسنة، والنوايا الحسنة لا تبني الدول، وهو القول الذي يكشف عن تحفظ الرئيس على الدستور، ويمكن تخمين ذلك لإعطاء الدستور بعض الصلاحيات المحدودة لمجلس النواب، والتي كانت تاريخيًّا تمارس بمفردها من جانب الرئيس. ورغم أن المجلس الحالي لم يمارس هذه الصلاحيات إلا شكليًّا، بل إنه يمارس دوره التشريعي والرقابي بوصفه سكرتارية للسلطة التنفيذية.

تعديلات 19 مارس 2011

وفي الحقيقة سيصدم مؤيدي هذه التعديلات بأن مبدأ المدتين الرئاسيتين بثماني سنوات، لم يستحدثه دستور 2014، بل صيغ بدءًا من 2011، وتلك المادة منقولة بالكامل من التعديل الذي جرى على دستور 1971 في استفتاء 19 مارس (آذار) الشهير، من ضمن تعديلات أخرى، ومن ضمن تلك التعديلات ما جرى في المادة 77 التي كانت تنص على أن «مدة الرئاسة ست سنوات تبدأ من تاريخ إعلان نتيجة الانتخاب، ويجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمدد أخرى».

وبدوره كان هذا التعديل واردًا على دستور 1971 الذي كان الأصل فيه أن مدة رئيس الجمهورية ست سنوات، ويجوز أن تجدد لمدة واحدة أخرى. والذي أجري بموجب تعديلات عام 1980 في ظل حكم الرئيس الراحل أنور السادات.

فجاء طلب التعديل بإلغاء حرف التاء من كلمة مدة واستبدل بها حرف الدال، فيصبح التجديد لمدد أخرى.

ومرت هذه المادة بعدد من التعديلات الدستورية المتوالية التي تعرضت للجدل السياسي والمجتمعي، سواء في مضمون التعديل وتوقيته.

وجاء تعديل مارس 2011 ليقصر مدة رئيس الجمهورية على دورتين متتاليتين، مدة كل منهما 4 سنوات، ولا يحق له الترشح مرة أخرى مدى الحياة، وألا يقل سن الرئيس عن 40 عامًا وبدون حد أقصى. كما تضمن النص أيضًا تعديلات للمواد أرقام 75، و88، و93، و139، و148 من الدستور، بالإضافة إلى إلغاء المادة 179، وكذلك إضافة فقرة أخيرة للمادة 189، ومادتين جديدتين برقمي 189 مكرر، و189 مكرر «1» إلى الدستور.

ثم جرى النص على قيد المدتين ذات الأربع سنوات في الإعلان الدستوري الذي أصدره المجلس العسكري للقوات المسلحة في 30 مارس 2011 برقم 29، إذ نصت على أن تكون «مدة الرئاسة أربع سنوات ميلادية تبدأ من تاريخ إعلان نتيجة الانتخاب، ولا يجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية إلا لمدة واحدة تاليـة».

ويذكر أن الاعلان تضمن 63 مادة، وتجاهل الإشارة إلى وضع دستور 71 الذي جرت عليه هذه التعديلات في 19 مارس 2011. وكان الأولى أن يجري الاستفتاء على النصوص الموجودة بهذا الإعلان أيضًا.

استمرار التغيير في 2012 و2014

ثم استمر نص تلك المادة في دستور 2012، بمضمونها برقم 133 «ينتخب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات ميلادية تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة انتخاب سلفه، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة… ولا يجوز أن يشغل رئيس الجمهورية أي منصب حزبي طوال مدة الرئاسة».

وأكدت المادة 226 التي جاءت ضمن الأحكام الانتقالية على انتهاء مدة الرئيس الحالي بانقضاء أربع سنوات من تاريخ منصبه، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة أخرى.

كما وضعت المادة 227 قاعدة عامة لكل من حدد له الدستور أو القانون مدة ولاية محددة غير قابلة للتجديد، أو قابلة لمرة واحدة، يحتسب هذه الولاية من تاريخ شغله لمنصبه، وتنتهي هذه الولاية في جميع الأحوال متى بلغ صاحبها السن المقررة قانونًا لتقاعد شاغلها.

ثم تضمن دستور 2014 المادة بمضمونها السابق بالقيدين نفسها سواء بانتخاب الرئيس لمدة أربع سنوات، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة، وحظر توليه أي عمل حزبي خلال مدة الرئاسة

. كما تضمن الدستور قيدًا ثالثًا نصت عليه المادة 226 الخاصة بإجراءات تعديل الدستور، وذلك في فقرتها الأخيرة بالتأكيد على حظر تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية أو مبادئ الحرية والمساواة، إذا لم يكن التعديل متعلقًا بالمزيد من الضمانات. وهو حظر خاص على تعديل بعض مواد الدستور إلا بضوابط معينة.

بل إن التعديلات الحالية تضع مادة انتقالية تسمح بترشح الرئيس الحالي بعد انتهاء مدته الحالية عام 2022، وهو ما يعني أن المدة تضع نصًّا مفصلاً لصالح شخص بعينه، وهذا يتناقض مع القواعد الدستورية والقانونية بأن تأتي القاعدة عامة مجردة نتطبق على الكافة، ولا تفصل لصالح شخص محدد.

فضلاً عن ذلك يرى كثير من الفقهاء الدستوريين أن مبدأ التعديل لا يشمل استحداث نصوص دستورية جديدة، كما هو مطروح من تلك التعديلات؛ بل يكون قاصرًا على تعديل نصوص موجودة بالفعل.

كما أن ذلك يأتي في ظل وجود المادة 226 التي تحظر التعديل على نص المادة 140 إلا إذا كان ذلك متعلقًا بالمزيد من الضمانات. وبالطبع لا يكرس التعديل أي ضمانة، بل يؤكد وحدانية السلطة.

الأهم من ذلك أن هذه المادة التي استمرت من عام 2011 وأجريت وفقًا لها انتخابات 2012 في ظل الإعلان الدستوري، الانتخابات الرئاسية عامي 2014 و 2018 ولم يفكر أحد في تعديلها.

إذن مضمون هذا التعديل مر بعدة مراحل بين السلبي والإيجابي، فبدا توجهه سلبيًّا عام 1980، ثم إيجابيًّا نسبيًّا في 2011، ثم إيجابيًّا بشكل أوضح في التأكيد على مبدأ عدم احتكار السلطة في 2012، 2014.

أما الآن يعود التعديل إلى طابعه الاستبدادي والسلبي، ليس فقط بإطالة المدة الرئاسية من أربع إلى ست سنوات، إلى جانب أنه أجاز انتخاب الرئيس لأكثر من مدتين متتاليتين، وهذا يعني فتح الباب لتولي الرئيس المنصب مرة أخرى بعد هاتين المدتين إذا جاء بعد رئيس آخر.

الخلاصة أن دستور 2014 قد استرجع نص وروح دستور 1971 الذي كان يحظر تولي الرئيس لأكثر من مدتين. وهو الأصل الذي يؤكد مبدأ تداول السلطة والحكم الديمقراطي، بينما تؤدي التعديلات الحالية إلى الرجوع إلى تأبيد السلطة وتمديدها، وهو ما ينزع المنجز الوحيد الباقي من كل من ثورتي 25 يناير (كانون الثاني)، وموجتها الثورية في 30 يونيو (حزيران)، وهو دستور 2014 الذي حدد مدة الرئاسة بمدتين لا تتجاوز كل منهما أربع سنوات، وحاول أن يضع توازنًا معقولًا في الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ومجلس النواب، في تعيين الوزارة، والموافقة على برنامجها وغيره.

وهذا النهج الذي يمنع أي وجهات نظر رافضة للتعديل سوف يؤدي إلى فقدان السلطة لشرعيتها السياسية والمجتمعية بمحاولة هندسة المجتمع والسلطات المختلفة حسب رؤيتها، من خلال استحداث وضع تشريعي وقانوني جديد، يؤدي لبقائها أطول فترة ممكنة، بغض النظر عن رأي المصريين والقوى السياسية والمجتمعية المختلفة.

يحدث ذلك في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية متردية تمسك بخناق المصريين وحياتهم اليومية، بما يمكن أن يؤدي إلى انفجار مجتمعي وسياسي غير محسوب، في ظل تغييب حقوق المواطنين في المشاركة في صنع القرار، وانتهاك حقوقهم في الراي والتعبير.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد