باتت منطقتنا نهبًا لظاهرتين مدمرتين تتقاذفانها: تسونامي الفوضى الوجودية الهدامة، والموجات الارتدادية لزلزال الثورات المضادة. ونتيجة لحالات الهروب العشوائي إلى الأمام التي قام بها أشباه القادة الذين أفرزتهم الظاهرتان، دخلت المجتمعات حالة من تيه الهوية وجاهلية الفكر، كما سقطت في حالة من الفصام الثقافي.

فبعد انحسار ربيع التغيير واحتواء زخمه وارتكاس نتائجه، نتيجة لعاطفية التعاطي الشعبي ودموية القمع السلطوي، خلا التآمر الأخوي، شهدت المجتمعات العربية ظواهر عديدة هيأت لطفرة المفاهيم الطارئة التي كرست الانقلابات العسكرية والعائلية كضرورة إنقاذية، وثبتت أركان حكمها وتوجهاتها. من هذه الظواهر بروز تيار من المسترزقين هدفه شيطنة الدين عبر الربط المشبوه ما بين الفكر الديني وتنامي الإرهاب في تماهي تام مع الطرح الخارجي للحالة.

استغل هذا التيار الطرح المعتل لمفاهيم الحرية ليناهض سمة الالتزام، والتجديد ليلوي عنق النص الديني ويعتصر تأويلاته، والإسلام السياسي ليمرر رؤاه الخاصة عن جمود الفكرو فشل المقاربة، ليرسخ علاقته بالنظم القائمة، ويمهد لأطروحة تقبل الآخر، ولو كان عدو الدهر.

تم ذلك نتيجة انتكاسة التيارات الدينية، التي اتهمت بسرقة تلكم الثورات وصبغها بصبغتها، بعد نجاح عملية إفشالها المتقصد من جهة، وأخطاء تهافتها على ابتلاع طعم السلطة من جهة أخرى. فبات الفكر الديني سببًا رئيسًا ووحيدًا لفشل قيادة تلك التيارات للمجتمعات الثائرة أو المتأثرة بالثورة. والواقع أن أيًا منها لم يفرض الشريعة في أي مفصل من مفاصل الحياة المجتمعية. بل هي حملت أوزار كل الطغاة الذين سبقوها، وصيروا حمائم سلام على أكتافها. كما مهدت لقبول كل أخطاء الحاكم المخلص بعدها.

تمادى هذا النقد ليصبح انتقاصًا للدين، وتسفيهًا لرموزه، تمهيدًا لتقبل الانهيار الأخلاقي على أنه إنجاز للحاكم المنقذ، ولتعليق تفسخ البنى المجتمعية واهتراء عراها على شماعة تطرف الفكر الديني. وهذا ما تطرق له بعض من إمعات الإعلام ورويبضة المثقفين من على المنابر الإعلامية المستنسخة التي تمثل لسان حال الانقلابيين في كل بلد شهد ثورة أو تأثر بها أو عمل على وأدها وإفشالها.

ولو كان الأمر حوارًا ثقافيًا أو نقاشًا فكريًا لكان هينًا، بل كان حالة صحية ضرورية. لكن الخطورة برزت من الارتكاس الضميري لدى المحسوبين هامات ثقافية، ودخول المرجئة من مشايخ السلطة على الخط، فتحول الأمر من حالة ثقافية يمكن البناء على مخرجاتها الفكرية، إلى تسول ارتزاقي للمناصب ولرضا الحاكم، عبر الطروحات المسفة والاتهامات الاعتباطية للآخر بالإرهاب الإسلاموي ومعاداة السامية الفكرية، مع التهديد باستعداء السلطة الحاكمة كأسلوب رخيص في مواجهة الحجج والردود.

ونتيجة لاعتناق مذهب المراءاة والنفاق، أضحت السيادة سلعة قابلة للبيع والشراء والمساومة، وبات الانتماء إلى الآمة يعني النأي بالنفس عن مشاكلها، وصار تمييع الثوابت وتشويه الثقافة والتشويش على إرهاصات الحرية منجزات تحسب للفكر الانقلابي، ليغدو جوهر الديمقراطية تجديد قيادة الملهم الوحيد في الشعب ومبايعته الأبدية.

وهكذا تطاول الإسفين الذي ضربه هؤلاء بين الأمة وقضاياها المصيرية. والمستحدث في مواقف العرب من قضية فلسطين والقدس يستحق التأمل المتأني في حال هذه الأمة المنفصمة. فالتهافت رسميًا وثقافيًا على التطبيع مع العدو التاريخي، المترافق بحملات التعريض الشعبية بالفلسطينيين، ليدلل على المنعكسات السلبية لطريقة الانفتاح التغريري التي يتبعها مراهقو الحركات التصحيحية بالأسلوب (الترامبي، أو البوتيني، أو التيانانميني)، مع أصالة الطأطأة، التي استبدلت بالعدو المحتل الشقيق المعتل، لتصب عليه جام غدرها وخيانتها. الأمر نفسه يطال المواقف المخزية للجميع من القضية السورية بواقعها المؤلم.

توازيًا مع التيه العقدي والفصام الثقافي، تبلورت ظاهرة تشوه الانتماء إلى الوطن بانتعاش الشعوبية، القومية منها والطائفية. فبات الانتماء الإثني أعلى من الانتماء الوطني، والانتماء الطائفي أهم من تعزيز الشراكة الوطنية. حفز هذا الانتعاش المشؤوم الفوضى التي خلفتها تداعيات الثورات المضادة ودور داعميها المشبوه، والتفريغ البنيوي الذي سببه إفلاس الرؤى لدى مدعي تمثيل الثورات الوطنية، لنشهد خللًا استراتيجيًا استغله الشعوبيون لتعزيز مكاسبهم على الأرض بدعم خارجي.

وعلى الرغم من وضوح التوظيف المؤقت لهذه الحركات لإرساء الفوضى، فإن ما دعم استمرارية لعبة شق الصف هذه إلى الآن هو ضياع الانتماء للهوية، وتزييف الحقيقة الوجودية التاريخية لبعض مكونات الأمة التائهة.

وإذا ظن أحدنا أن التهديد وقف على دولة قطرية دون غيرها فقد جافى الحقيقة، وإن اعتبر أن الحل منوط بأهل تلك الدولة وحسب فهو واهم. فالفوضى المطلوبة آفة عابرة للحدود، هدفها الأساسات الوجودية للأمة، وتتبع آليات تمييع الهوية الثقافية وتكريس التبعية بكل الجوانب، وتعميق حال الهزيمة.

إن من مزق الهوية الجامعة واستبدل بها أخرى تابعة، يسعى الآن باتجاه تقزيمها إلى هوية أجيرة. وهو نفسه من أمر تابعيه بتنحية القضايا الجوهرية لصالح قضايا ثانوية ضخمت لتغطي مشهد السقوط. ومع تكشف مواقف السياسي المنافق، والمثقف المستأجر، ورجل الدين المرائي، والانتقال من الانتقاد اللازم والدعوة إلى الإصلاح والصدع بالحق، إلى التبني الأعمى لسياسات الحاكم والفتوى حسب هواه، أدخل الشارع التائه في مستنقع الفوضى التي بشرت بها تاتشر وتبنتها رايس وعمل على شق طريقها وتمهيده العالة من القادة.

الوقوف في وجه هذه الفوضى له مستويان. الأول فردي، ونعني به بناء القدرات الفردية لأبناء الأمة وتعزيزها. والثاني جمعي، ونعني به ترميم الوعي العام للتمسك بالهوية وبناء الانتماء للثقافة الجامعة. وهنا يبرز دور الفكر الواعي والقائد، العارف بالأزمة والملم باستطالاتها الداخلية والخارجية، والقادر على تحليل بنيتها لإيجاد الحلول الممكنة لها.

إن شتاء الفوضى المنفلتة يضرب الركائز المشتركة والرئيسة لمجتمعات المنطقة وثوابتها بريح التفتيت الهوجاء وصولًا إلى اقتلاعها، وتلك بوادرها تجلد وجودنا لتحيلنا لاجئين ومنفيين بلا هوية، أو مواطنين بهوية برسم البيع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد