لئن عرفت تونس بعد سنة 2011 طفرة ثقافية ببروز أفكار جديدة وتيارات فنية مستحدثة على المجتمع التونسي، فإن هذه الطفرة ظلت موضع نقاش بين رافض لكل جديد وبين مقبل على كل ما فيه تمرد مخالف للكلاسيكي والتقليدي، ومن أهم هذه الظواهر الجديدة ظاهرة الراب التي تعيش فترة ازدهار في تونس رغم معارضة البعض لهذا الشكل الجديد للموسيقى بوصفه سحابة صيف ستمحى قريبًا من الذاكرة.

فبين الزمن الجميل والفن الجديد خلاف يشتد حينًا وينفرج حينًا آخر، ما زالت معضلة الراب أو ما يسميه البعض «فن الشارع» محل خلاف بين أطياف المجتمع كافة، نعود لصفحات لنكتشف بدايات الراب وهي تلخيص لكلمة «إيقاع وشعر» «Rhythm and poetry»، منشأ هذ النوع من الغناء كان في الولايات المتحدة الأمريكية على يد الأمريكيين من أصول أفريقية بهدف الغناء والفرح، بوصفه فرعًا من فروع ثقافة الهيب الهوب للسود، ولكن هذا الغناء والرقص وسرعة الإلقاء مثل التزامًا ضمنيًّا لمعاداة العنصرية وإعلان الحرب ضد أشكال التطرف العرقي في أمريكا، ثم في أواخر القرن الماضي أصبحت مضامين الراب معادية لكل أشكال التسلط والفساد للتحول فيما بعد إلى صراع ضد الأنظمة الحاكمة وضد سياسات التفقير وغياب العدالة، وفي النهاية تحولت ظاهرة «ماتحت الأرض» أو«ماتحت الجسور» «Underground» إلى نمط حياة وأسلوب عيش تبنته فئة كبيرة من شباب العالم لأنها تمثل قناعاتهم ومعارضاتهم للسلطة ولكل ما هو موروث، فالراب لم يكن يومًا عائليًّا لأنه يكسر كافة الحواجز الأخلاقية والمجتمعية ليبرز سوء الواقع وتعاسة الأحياء الشعبية.

الراب في تونس ليس بالجديد، بل بدأ منذ أوائل الألفينيا، ت لكنه لم يكن منتشرًا لأنه كان يفضح الواقع المعيش، ويعري عورات النظام وقمع الشرطة ومعاناة الشعب التونسي من فقر وتمييز طبقي ما زال موجودًا إلى يومنا هذا في تونس، رغم أحداث ديسمبر (كانون الأول)/ يناير (كانون الثاني)  2011، وجل أغاني الراب كانت تسمع في الخفاء، انعدام تام للحرية، ومن أوائل المغنيين كان بلطي وفريد إكسترانخيرو بأغنيته المشهورة «عباد في التركينة»، ثم خرج هذا الغناء من مخبأه ليصبح كما يعده البعض سببًا من أسباب الثورة، كان الراب مرفوضًا، ثم مقبولًا، ثم ركيزة مهمة من ركائز المجتمع التونسي، خصوصًا لدى الشباب، وتحول فنانو الراب قادة وقدوة كلماتهم محفوظة، أغانيهم مسموعة وأصبحت أقوالًا مأثورة ورنانة في أذن الكبير والصغير رغم نقد البعض له بأن الراب رمز الابتذال والرذيلة؛ لأن أساس أغانيه تحتوي على رفض القوانين وتفاخر بكل ما يمثل معاداة النظام والسياسة والسياسيين، وتدعم الاتجار بالمخدرات والعري وغيره من أشكال الانحطاط الأخلاقي، والذي نشر ثقافة الرداءة وثقافة الشوارع في صفوف الشباب والأطفال ولعل أغلب الانتقادات تقول إن جل مغنيي الراب هم من «سفلة الشعب» أو من الفئة الفاشلة في حياتها والمتفاخرة بفشلها وإجرامها، أما البعض الآخر يرى أن «الرابورات» هم من أصحاب التجارب التي يمكن الاقتداء بها في العمل والطموح وبدء التجارب من النقطة الصفر، ويتحول أصحاب هذه الأغاني إلى مشاهير ومن أغنياء القوم وهو مايبرز في كليباتهم وحفلاتهم.

موسيقى التمرد كما يسميها البعض اقترنت بغياب العدالة الاجتماعية والإنسانية، وارتباطها العضوي بالثورات لم يأت من فراغ؛ فهي لا تؤمن بالدولة بوصفها مؤسسات بل تؤمن بالشعب المهمش والكادح رغم أن العديد من مغنيي الراب يغنون للحب وللدين، لكننا نتحدث عن أساسيات الراب وجذور البدايات، رغم اختلاف الطرائق والمسميات لكن الهدف واحد، وهو محاربة كل من يعادي صوت الشعب، ينظر البعض إلى هذه الظاهرة نظرة السيد لعبده باعتبار أن هذا الشكل الجديد فن هابط، والوتري هو الأصل، أما الباقي كله التقليد، ولكن المفارقة أن ما يقال في العلن ليس هو نفسه ما يقال في الخفاء فمن يرفض الراب أصبح ينتظر موافقة للغناء مع مغني راب بحجة أن الراب مطلب ومصدر للنجاح وللمال، ولعل أبرز هذا التناقض كان عند السياسيين حين استغلوا بعضًا من فناني الراب خلال حملاتهم الانتخابية، وهو ما فتح النار على الجميع، فالمغنون اعتبروا أن الالتزام بقضايا الشعب ورفضهم للعبة السياسة عقيدة لا تشترى ولا تباع، أما البقية تبنوا مبادئ أخرى.

أخيرًا لا يمكننا القول بأن رداءة الراب وتطرف كلماته أمر ثابت؛ لأن هذا النوع من الموسيقى له مدارسه أشكاله وقوانينه والأحكام الرافضة والداعمة هي أحكام ليست نهائية لان الراب اليوم فرض وجوده سواء سلبًا أم إيجابًا ولكن على المتلقي أن يفرز الغث من السمين ويبتعد عن الاستهلاك السلبي، وكل الحقائق المقدمة هي حقائق نسبية، رغم صحتها فهي تحتمل الخطأ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد