الابتلاء عام، والزلزلة شديدة؛ فالعدو قد أتانا من فوقنا ومن أسفل منا، ومن أنفسنا، وهذا العدو الأخطر. والناس قد مستهم البأساء والضراء، فالأبصار زائغة والقلوب بلغت الحناجر. الظن بقدرة الله وعدله يلعب بعقل الحليم فيجعله حيرانًا، فالبلاء اشتد والنصر تأخر حتى كأنه لن يأتي أبدًا.

في زحمة المشاعر هذه لابد أن يتسلل الشعور باليأس والإحباط إلى الأنفس. وطبيعي أن يصبح السؤال: هل من أمل بعد في نصر الله؟ بديلًا عن متى نصر الله؟

فإذا أضفنا إلى هذا الوضع وفرة المسترزقين من العمالة ومروجي الإشاعات السوداء، من أشباه البشر المثبطة، والوالغة في أحلام الأبرياء، مع ضيق الحال والنفس والغربة، ومشاهد الموت والدمار والظلم، وظلمة أفق الفرج، طبيعي أيضًا أن يقول واحدنا: ليت الذي كان ما كان. وهذا لا يند عن ضعف أو ندم بقدر ما هو تعبير بشري عن حجم الصدمة التي خلفها اكتشاف ذلك الكم الهائل من القذارة التي كانت تحتل مجتمعاتنا وتنتشر في مدننا وأريافنا وحتى بيوتنا، والمتجمعة في فكرنا ووجداننا وسلوكاتنا، ونحن لا نشتم رائحتها ولا نميزها لتشابه القيعان علينا بسبب من غفلة، أو بسبب عمى الروائح الذي زكم أنوفنا لكثرتها وتنوعها، أو لأننا اكتفينا برش ملطفات الجو، بدلًا عن اتخاذ أي إجراء فعال يستلزمه بتر مصدر الرائحة.

لكن لإحقاق الحق فإن مقابل كم القذارة الملفت هذا، هناك بشر تنظف وترتب وتنظم لتعمر القلوب والعقول من جديد. وهؤلاء هم الثوار الحقيقيون. فالمدرس المخلص الذي يحاول إنقاذ جيل من ضياع محدق لا لمنفعة، إلا إرضاء ضميره، فهو ثائر، والمقاتل الذي يذود عن الأرض والعرض لا لغرض إلا نصرة الحق، فهو ثائر، وكذلك السياسي الذي هدفه قراءة المواقف وتحليل ما بين السطور وتوجيه القرار لا لهدف إلا الصالح العام، فهو ثائر. حتى اللاجئ الذي يحترم المجتمع الذي احتواه لحين ارتفاع الغمة عنه انطلاقًا من إنسانيته وخلقه، فهو ثائر. هؤلاء وأمثالهم كلهم يعملون على تبديد الصورة المشوهة التي ثبتها أضدادهم؛ ليظهروا للعالم الوجه الحقيقي لهذه الأمة الجديرة بالحرية.

نحن لسنا أمة من الملائكة فلا نسيء أبدًا، ولا من الشياطين فلا نحسن أبدًا. نحن بشر، كرمنا الخالق فأمر الملائكة فسجدت لنا، وامتحننا فجعل الشياطين توسوس لنا، فكانت لنا فضائلنا كما كانت لنا زلاتنا. ما يهمنا في ساعات التيه هذه تواجد البشر من أصحاب الضمير الصاحي والقوة الواعية على ساحة الفوضى والضياع ليقلبوا الحال إلى أحسن منه. فمن يتحرك بوازع من ضمير، يدفعه ضميره هذا ليعمل الصالح أو يتراجع عن الخطأ؛ ومن يتحلى بالقوة، تمنعه قوته من التنازل عن الثوابت والحقوق، أو تدفعه ليعترف بعجزه فيخلي المكان للأنسب. عندما يتواجد هؤلاء نستطيع أن نقول أننا وضعنا رجلًا على طريق التمكين والنصر.

ولكي نوجد للرجل الثانية الحيز المناسب لها كي تثبت الوقفة، لابد أن نعمل جاهدين على أن نجعل ذلك الإمعة المستميت على المنصب والمستميت على الشهرة والمستميت على المال والمستميت على الظهور يموت فعلًا وذكرًا، عبر تحييده تمامًا عن المشهد، كي يعرف المستميت على الوطن والحرية كيف يعمل ويحارب وينتصر على كافة الجبهات، كي يحيا هذا الوطن ويحيا معه أبناؤه. لذلك لابد من العمل على إبقاء العالة المتسلقين بعيدين عن مجال التأثير النفسي والمادي على معنويات وقرارات ومواقف الأمة وحراكها قدر المستطاع.

ولكي يتحقق هذا لابد من رتق الخلل الذي يتسلل منه هؤلاء السفلة عبر الاستثمار في التوعية البشرية. فكما يوعي المدرس طلابه بالصواب والخطأ، وكما يوعي رجل الدين الناس بالحلال والحرام، والمحامي بالقانوني والممنوع، على السياسي ورجل الدولة وعالم الاجتماع، والمثقف ككل، القيام بفعل التوعية، لكن ليس بنفس أسلوب المعلم ورجل الدين والمحامي الذي ذكرناه لأنها توعية ناقصة، فلذلك لم تنتج إلا المنظومات المجتزأة. الدين ليس حلالًا وحرامًا فقط، بل دعوة إلى الوعي لنبني قواعد الإيمان الكامل، والتعليم ليس صوابًا وخطًا فقط، بل تجربة وبرهنة ووعي للنتائج لننشئ أسس العلم والعالم الحقيقيين، والأمر ذاته يسري على بقية الفروع حتى تكتمل الدائرة، لننتقل إلى التنمية البشرية المستدامة. وهذا لن يتم إلا عبر مأسسة الاستثمار هذا، وعلمنة الإجراء، وليس عبر اندفاعات حماسية أو إجراءات فردية تطوعية.

التصدي لهذا الإجراء يستدعي وضع قواعد وبرامج بفكر وقلب منفتحين ليقوم الاستثمار على أسس علمية. فمهمته وضع حد لمسببات فوضى المواقف الخاطئة والقرارات المرتجلة والسلوكات المسيئة والضياع المستشري الذي أوصلنا إلى ما ننوء بتبعاته من التراجع والانتكاسات. لينتقل إلى تحديد السبيل الأنجع المؤدي إلى الانطلاقة التي تليق بالتطلعات المصادرة لهذه الأمة وأحلامها المختطفة.

معركتنا معركة وعي، وعندما نمتلك هذه الأداة، يمكن لنا أن نحقق الأهداف والأحلام، وبالتالي ننتقم لسنوات الاستلاب الطويلة. وبوجود وسائل التواصل، سيصعب على الحكام إيقاف التيار التوعوي إذا ما انطلق.

لكن لا يستسهلن أحد الأمر، فالاستغفال أساس استراتيجية أعداء الأمة في الصراع القائم الذي تشهده ساحاتها. وللحيلولة دون الانقلاب عليها جندوا عملاء برتبة حكام ونصبوهم لهذا الغرض، ودونهم أزلام مهمتهم العمل على اعتقال الأفكار والإمكانات ووأدها أو تكميمها.

المعركة فرضت على الأمة. فإما أن نعمل ونتعلم ونتواصل، لنطور أدواتنا ووعينا، فلا نفوت الفرصة ثانية أو فلنصمت إلى الأبد. ومثال الثورات المضاعة، التي أرادتها الشعوب عملية تغيير فحولها ربائب الأنظمة إلى عملية تدوير لها عبر الثورات المضادة لازالت ماثلة أمامنا.

لنبدأ المشوار ببناء الذات والقدرات كي نجهز لعملية التوعية. إن نصر الله قريب، لكنه يتطلب الكثير من الجهد والعمل، ويلزمه الكثير الكثير من اليقين والصبر؛ علنا نكون من ذوي الحظ العظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد