الفن هو موهبة وإبداع وهبهما الله للإنسان، والفن كلمة للدلالة على المهارات المستخدمة لإنتاج أشياء تحمل قيمة جمالية وإبداعية.

فإذا كان لديك القدرة على استنطاق ذاتك بحيث يُتاح لك التعبير عن نفسك وعما بداخلك بشكل بصري أو صوتي أو حركي إذًا فأنت فنانٌ مالكٌ لموهبة، وبالطبع إذا آثرت الابتكار على التقليد فحينئذ تكون فنانًا مميزًا ذا خيال فيَّاض، وقائدًا كفؤًا لبداية مسيرة حافلة من الإبداع.

فلا تقف مكتوف الأيدي، وحاول جاهدًا أن تعلم من أين تؤكل الكتف، وأخرج بكل حبٍ ووفاء ما بداخلك، فموهبتك وحدها قادرة على مساعدتك في حياتك، ستعطي لك كل ما تحتاجه، وستشبع رغباتك الدفينة.

وإذا كنت كاتبًا أو شاعرًا أو عازفًا وما إلى ذلك، فاعلم أن فنك هو من سينصفك، وموهبتك ستضمن لك استحضار اسمك في كل وقتٍ وحين، وسيبقى ذكرك في الدنيا من بعدك، فلا تحجب موهبتك خلف قضبانك، وأطلق لها العنان، لأن كل شيءٍ راحل، عدا عملك.

وأنا سأعطي لك أمثلة لأشخاصٍ ملكوا المال والـمُـلك والجاه والولد، ولكن لم ينصفهم ويخلّدهم سوى أعمالهم الفنية التي تركوها لنا.

أبدأ بالملك الشاعر «المعتمد بن عبَّاد»، ملك الأندلس، كان فارسًا شجاعًا، وعالمًا أديبًا، وشاعرًا مُجيدًا، أحب الشعر والكتابة، وأحب مجالسة أهل هذه المهنة الفريدة، كان مُلكه كبيرًا، وكان لديه من الأبناء ما يتعدى المائة، ولكن تم سجنه وتكبيله، وإذلاله وتشريده، لا وحده فقط، بل هو وزوجته وأبنائه، ذهب مُلكه، وذهبت الأندلس كلها، ولكن بقي له شعره والشعراء الذين كان يجالسهم، ثم مات وخلّده فنّه المكتوب أكثر من مُلكه وأولاده.

ثم أقص حكاية الرسام الهولندي «فرانز هالز»، شخصٌ مبدع ذو ذائقة فريدة، رسام عُرف فنّه بالصدق والوضوح والبساطة، كما تنطلق لوحاته بالمرح الفيّاض، لكنه في أواخر عمره طاردته الديون والأمراض والشيخوخة، فمات فقيرًا، وخلّده فنّه المرسوم.

ولن أضيع مثل هذه الفرصة بدون ذكر «إسماعيل يس»، الملقب بـ«أبو ضحكة جنان»، هو شخص عشق الأغاني ورددها منذ نعومة أظفاره، وحلم أن يكون مطربًا، انتقل من السويس بلدته إلى القاهرة لكي يعمل ويحقق حلمه الفني، وبعد عناد من الدهر استطاع إسماعيل أن ينجح في فن المونولوج، ثم انتقل إلى السينما وحقق نجاحًا باهرًا وقدم أفلامًا كثيرة، فامتلك المال والشهرة وكل مُبتغى، وهذا لأنه صاحب موهبة جذابة، ولافته للنظر، ولكن ماذا بعد؟ فرغم كل هذا النجاح الساحق إلا أن مسيرته تعثرت في النهاية، وانحسر ضوؤه، واحتُجزت أمواله وأصيب بالمرض، حتى مات إثر أزمة قلبية حادة، ولم يبقَ شيء يخلّده سوى فنّه المرئي.

ونأتي لذكر الموسيقي الثائر «الشيخ إمام»، فتى حفظ القرآن، ونشأ صاحب أُذن موسيقية أيضًا، في البداية امتهن الإنشاد وتلاوة القرآن، ثم تعلم العزف على العود وعمل ملحنًا، تعرَّف على رفيق دربه – أحمد فؤاد نجم – وكوَّنا فريقًا موسيقيًا ذاع صيته، وانتشرت أغانيه مثل النار في الهشيم، ولكن في منتصف التسعينيات آثر إمام العزلة والاعتكاف في حجرة متواضعة، دون اهتمام من أحد، حتى رحل في هدوء تام تاركًا وراءه أعمالًا عديدة، وفنًا مسموعًا يخلّده.

الزمن سيعطي ويأخذ، ولن يستمر على حال، تقلبات الدهر لم ولن ترحم أحدًا، وهذا ما أتأكد منه يومًا بعد الآخر، أي أن الشهرة لن تدوم، والمال والـمُـلك أيضًا، ولي خير الأمثلة على ذلك.

فلهذا أنا أكتب، وتربطني علاقة وطيدة بالقلم، دون الاكتراث بأي تبعاتٍ أخرى. فيا معشر الموهوبين، الكل راحل عدا موهبتكم، وعملكم، وفنّكم، فلا تأبهوا بشيءٍ وأبدعوا، وأخرجوا كل طاقتكم، لأنني على يقين تام بأن لا شيء يُخلّد المرء بعد رحيله كموهبته وعمله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدبي, تصويري, وعظي
عرض التعليقات
تحميل المزيد