كانت انتخابات يوم الأحد 7 حزيران الماضي نقطة تحول كبرى في تاريخ تُركيا. فقد توجه الشّعب التّركي إلى صناديق الاقتراع لاختيار من يُمثّله في البرلمان والحكومة الجديدتين. على مدى 13 عاما الماضية خاض حزب العدالة والتنمية 10 استحقاقات انتخابية، بما فيها الاستفتاءات، وفاز فيها كلّها بلا استثناء. والفارق الوحيد هو أنّ الحزب الحاكم فقد الأغلبية في البرلمان هذه المرّة.

فاز حزب العدالة والتنمية بـ258 مقعدا، لكنّه لم يتمكّن من الحصول على 276 مقعدًا الذي يمكنه من تشكيل الحُكومة بمُفردِه. وقد شهدت تركيا فترات من عدم الاستقرار أثناء وجود حكومات ائتلافية، ولذلك ينظر إليها بعدم الرّضا. لكن الحقيقة أن موضوع عدم الاستقرار لا يتحدد سببه في موضوع شكل الحكومة الائتلافية نفسه وإنما يكمن المشكل في خطأ الذهنية السائدة في البلاد، وضعف الروح الديمقراطية والألاعيب القذرة للدولة العميقة وصايتها على الشّعب.

أمضت تركيا 13 عاما من الاستقرار وفي خلال هذه الفترة تغيّرت معطيات كثيرة، فقد تم وضع حدّ لوصاية الدّولة العميقة، كما تمكّنت تركيا من النّهوض على قدميها وأصبحت قادرة على التّعويل على نفسها، واقتنعت بضرُورة أن تكون كذلك. والآن ليسَ من المُمكن العَودة إلى الوَراء، كما أن أحداث “كزي بارْك” قد تم تجاوزها، والآن تندلعُ النّيران على طُول حدُود تُركيا كلّها، ومرحلة الحُكومة الائتلافية الحاليّة من الضّروري أن تقود إلى استقرارِ البلاد وتطوّرها.

وبالعودة إلى الانتخابات، فإنّ سبر آراء الشّعب يُفيد بأنّ السّبب الرّئيس وراء تراجُع حزب العدالة والتنمية وفقدانه لكمّ كبير من الأصوات في انتخابات السّابع من حزيران 2015 كان النقاشات التي ثارت حول فكرة “النّظام الرئاسي”. إن الإصرار على فكرة تطبيق النّظام الرّئاسي على النّمط الأمريكي قد مثل ضغطا حقيقيًّا على قطاعاتٍ واسعةٍ من الشّعب. والسبب العميق لذلك هو أن النظام الرئاسي سوف يقود بشكل لا مفرّ منه إلى مسألة الفيدراليّة.

وبالنسبة إلى الفدرالية، فربما لا تمثل مشكلة في مناطق ودول مختلفة من العالم؛ لكن مجرد ذكر هذه الكلمة يُمثل مشكلة كبرى بالنسبة إلى تُركيَا. في مناطق الجنوب الشرقي يقاتل حزب العمال الكردستاني ذو الخلفية الشّيوعية الإرهابية منذ 40 عاما من أجل تحقيق طموح الفدراليّة. وهذا التنظيم الإرهابي لم يستطع تقسيم تركيا بواسطة ممارساته الإرهابية طيلة الحقبة الماضية، وهو الآن يسلك سبلا جديدة تعتمد على الخداع لتحقيق أهدافه المتمثل في الحصول على الحكم الذّاتي. وبالرغم من أن مسألة القومية الكردية لا علاقة لها تماما بهذا الموضوع إلا أنه تم توظيفها باعتبارها ورقة للضّغط والمساومة، وتم استخدامها في المناطق التي تعيش بها أكثرية كرديّة.

هدف هذا التنظيم الشيوعي الإرهابي هو وضع أقدامه في البرلمان التّركي اعتمادا على وسائل وطرقٍ قانونيّة، وبذلك يكون حزب العمال الكردستاني على وشك تحقيق أهدافه في المناطق التي لها فيها نفوذ عن طريق التهديد والتّخويف. هذه الحقيقة جعلت الشّعب التّركي يشعر بالخوف إزاء هذا التهديد وهذه المخاطر، وتبعا لذلك فهو لم يبدِ قدرًا من التفهّم لفكرة النّظام الرئاسي التي تم طرحها.

حزب الشعوب الدّيمقراطي هو الحُزب المناسب تمامًا الذي تمكن من الوقوف في طريق إصرار السّيد رجب طيب أردوغان من خلال حصوله على نسبة أكبر من 10 % اللازمة لدخُول البرلمان.

المشكلة هي أن حزّب الشّعوب الديمقراطي، وبالرّغم من مواقفه الليبرالية وإظهاره اهتماما كبيرًا بحقوق المرأة، وبالرّغم كذلك من مقارباته التي فيها قدر كبير من الاعتدال فإنّ حقيقة من وقف خلفَه ودعَمه بقوّة هو حزب العمال الكردستاني. زعماء هذا الحزب وأعظاؤه يتعرّضون إلى التّهديد والمساومة من قبل حزب العُمّال الكردستاني، ويُعتبر هذا الحزب، سواء في البرلمان أو وراء الأبواب المغلقة المُمثل الحقيقي لحزب العمال الكردستاني.

لو أن حزب الشعوب الديمقراطي لم يحصل على الدعم والمساعدة من حزب العمال الكردستاني فإن نجاحه يمثل إضافة إيجابية ومهمة بالنسبة إلى ديمقراطيتنا، وسوف يلقى مزيدا من القبول. أما وقد تم دفْعُه ودعمه من قبل حزب العُمال الكُردستاني فلن يُنظر إليه اليوم إلا باعتباره خطرًا وتهديدًا. عند قراءة هذا المقال قد تكونُ الحُكومةُ قد تشكّلت، أو مازالت المشاورات متواصلة من أجل تشكيلها. وعندما نتأمل في الخيارات المتاحة فإنه ما لم يتم التراجع عن فكرة النظام الرئاسي فإنه من الواضح أن الانتخابات المبكرة لن تكون سوى مناسبة لإهدار مزيد من المال والوقت.

إذا لم يتم تغيير منطق التفكير فإنّه لا فائدة ترجى من انتخابات سابقة لأوانها. بل إن هناك إمكانية كبيرة لتناقص أعداد ناخبِي حزب العدالة والتنمية، وبالنّسبة إلى حكومة أقليّة فهي تمثل مجازفةً في ظلّ تَكوُّن أغلبيّة معارضة. وفي هذه الحالة سوف يكُون من الصّعوبة بمكان تمرير القَوانين في المجلس، وبالتالي يصبح الاستقرار مهدّدًا. ومن الواضح أنّ السبيل الأمثل لتحقيق الاستقرار هو تشكيل حكومة ائتلافية. والمرشح الأفضل لحكومة ائتلافية هو حزب الحركة القوميّة، ومعلوم أن النهج القومي لهذا الحزب يقوم على خوض صراع شرس مع حزب العمال الكُردستاني.

من الضروري بمكان مشاركة حزب الحركة القومية في الحكومة، كما أنه من المناسب جدًّا إسناد وزارة الدّاخليّة لهذا الحزب. وفي صورة ما إذا حصل هذا فإن الضغط المُمارس على حزب العدالة والتنمية – بحكم تداعيات المرحلة – سوف يخفّ، وفي الوقت نفسه فإنّ تعنت حزب العمال الكردستاني وسيطرته على مناطق الجنوب الشرقي سوف يتراجعان نظرًا لموقف حزب الحركة القومية المبدئي والواضح في هذا الخصوص. ينبغي أن نذكر بالأمور التّالية؛ إذا تمكّن حزب العمال الكردستاني من إقامة حكم في المناطق التي يخطط للسّيطرة عليها بالمِنطقَة في كلّ من تركيا وسوريا والعراق وإيران فإنه يكون قد وضعَ الأسَاس لدولة ذاتٍ نظام شيوعيّ، وهذا الأمر إذا حصل سوف لن يُمثّل تهديدا لتركيا فحسب بل تهديدًا وبلاءً لمنطقة الشرق الأوسط بأكملها.

يتعين على تركيا أن تأخذ مأخذ الجد التهديدات التي تواجهها، والغرب بعد أن اتّهم تركيا بعدم دعم حزب العمال الكردستاني في مسألة كوباني بدأ الآن فقط يفهم الوضع بشكل أفضل. وأفض مثال على ذلك ما كتبه جامي دَاتْمر في صحيفة “ذِي دَايلي بَاسْت” حيث قال “إنّ القريةَ التي قَدّمت لها أمريكا المساعدة من أجل إنقاذها تُدار اليوم من قبل الإرهابيين”1.

وقد بين دَاتْمر بشكل واضح أنّ من دعمتهُم قوات التّحالف في كوباني ليسوا في الحقيقة المُقاتلين الأكراد وإنما هم عناصر حزب العُمّال الكُردستانِي الذين أذاقوا شعبهم أشكالا من الظّلمِ. الحكومة التي سوف تتشكل في تركيَا عليها أن تنتبه انتباهًا جدّيا لهذه المخاطر، ينبغي أن تتكون حكومة تقف بقوة ضد الانقسام، وتعمل على تخفيف قبضة حزب العُمال الكردستاني على الأكراد وعلى حزب الشّعوب الجمهوري نفسه، والقضاء بشكل نهائي على أيّ تهديدٍ من قبل الإرهاب الشّيوعي في المنطقة.

الأحزاب السياسية في الوقت الحالي في حاجة إلى أن تكُفّ عن الصّراعات فيما بينها وتقف مع بعضها البعض، جنبًا إلى جنبٍ من أجل الحفاظ على وِحدةِ البِلاد. يتعين الآن النأي عن التقاليد المعروفة في الحكومات الائتلافية، ونسيان المُشاحَنات وتشكيل ائتلاف واتفاق قويّ قادرٍ على تأمين الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط أكثر من أيّ وقتٍ مضى. منطقة الشرق الأوسط تنزُف وتبكي دمًا وهي في حاجة ملحّة لمثل هذه الحكومة القويّة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد