قاعة الانتظار الباردة طوابير طويلة وأشخاص على اختلافهم فالهدف واحد وجه مثالي. بعد أن تجتاز الصف الطويل وبعد أن تنجح في الحظوة بينهن بكرسي في انتظار دورك. كرسي غير مريح عالم من التوتر وجو ليس أحسن منه. تدور بعينيك في كل الاتجاهات دون تحريك رأسك وجوه شاردة كمن يسقط من قمم شاهقة وما زال ينتظر الارتطام تلفت انتباهك شاشات تلفاز المثبتة في جل الجدران. شاشات تتعاقب عليها برامج ملكات الجمال وصور العارضات في أبهى حللهن.

وعلى الطاولة مجلات نسائية مواضيعها آخر صيحات موضة الخدود. وآخر المواد المستعملة في تذويب الشحوم. تنادي الممرضة على إحداهن لتقفز الأخرى فرحًا كيف لا فهي ذاهبة لمعانقة الحلم المنشود والحصول على تغيير لطالما حلمت به.

يدخلون تباعًا وكلهم نهم وشغف كبير. قد يخالها الشخص العادي مقابلة مملة مع طبيب يخط بقلمه وصفات لحلول مشاكل صحية نمطية. لكن مرتادي مصحات التجميل يرونها فرصة لمعانقة الحلم وتوديع الأنا السابقة. إنه موعد مع الوجه المثالي. بعيد عن عالم الأحلام والمثل الحق أن عمليات التجميل عرفت نقلة نوعية من وسيلة للعديد من النساء للوصول إلى تغييرات محددة فالأمر يقتصر على تدخل للتقويم ليس إلا والحال اليوم أن النتيجة في النهاية قد تكون حصولًا على نتائج متشابهة وجوه وأجسام لا تختلف كثيرًا عن بعضها البعض.

سيكولوجيا الوجه المثالي

تنظر يمينًا وشمالًا. هي منزعجة جدًا من نفسها تظن أن أنفها الكبير وشفتيها الصغيرتين هم سبب تأخر زواجها. تلتفت لشرفة المنزل لتبصر زميلة لها في الدراسة إنها سوسن ذات الوجه الجميل والقامة الرشيقة. تعود بنظرها لصور العارضات على الحاسوب. بعينيها الصغيرتين لتخترق به كل خلية في جسمها. تذرف بعض الدموع بعينين متراخيتين. إنها فتاة في شرود وعبوس مستمرين.

والحال أن الاتجاه اليوم هو أن الجمال المطلوب معاييره واحدة عند الكل. خاصة عندما يصل طلب هذه العمليات إلى مرحلة مرضية بحيث يصبح الشغل الشاغل للبعض. ويتحول إلى هوس مرضي، لتكون النتيجة تشابهًا في الوجوه تذوب معه العلاقات الإنسانية الحية التي يحكمها الاقتناع بالنفس. فأي مجتمع هذا الذي تسوده الصور المنسوخة والمشاهد المتكررة.

إقبال كبير ترافقه أسئلة مشروعة. فهل التردد على عيادات التجميل مجال جديد من الموضة يتنافس حوله المتنافسون أم أنه نقص في الوعي وغياب لعمق التفكير؟ دعونا نعُد لمثال الفتاة ذات الشفتين الصغيرتين والأنف الكبير منذ الساعات الأولى من الصباح تبحث بعد أن نال منها العياء عن العيادة التي كانت إحدى صديقاتها قد نصحتها بها. بحث مضنٍ قد لا يرافقه بحث عن تبعات عملية التجميل التي ترغب في القيام بها ومدى تأثيرها على سلامتها وصحتها في المستقبل.

«بالنسبة لي النتيجة هي الأهم كيف سأقابل الطبيب وكيف سأجد العيادة وكيف سأحصل على الجسم الذي أحلم به بعد عملية شفط الدهون أمور ثانوية».

تهز كتفيها مسترسلة «لا يهمني أي شيء مهمة الطبيب هي حل مشكلتي ومهمتي أنا هي دفع المال والاستمتاع بجسم جميل بعد أن أنحف. فلماذا سمي الطبيب طبيبًا إذا لم يستطع حماية مريضه والحيلولة دون وقوع تبعات».

حاجة شخصية أم انسياق وراء التقليد

عمليات التجميل قد تكون حاجة ملحة لبعض النساء حاجة تنم عن رغبة شخصية ودافع داخلي مرتبط بقناعات شخصية أو بظروف اجتماعية.

رحلة طويلة تفقد من خلالها الفتاة ملامحها الشخصية التي في الواقع تميزها عن باقي الفتيات. فملامح الوجه والجسد هي جزء من شخصية الإنسان ذكرًا كان أم أنثى، وبالتالي فطمس الملامح قد يؤدي إلى ارتباكات نفسية وقد يهز شخصية الفتاة خاصة حينما لا تحصل على النتائج المرغوبة ويكون من الصعب العودة إلى الشكل الأصلي.

فهل هي هشاشة نفسية وخلل على مستوى التقدير ذاتي والذي يكون متدنيًا بشكل كبير. الأمر قد لا يكون متعلقًا بتجميل عناصر خارجية مرتبطة بالمظهر بل هناك دوافع داخلية تولد عدم الاقتناع بالشكل الخارجي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد