هل كان باستطاعتنا تجنب الحرب العالمية الثانية إذا أحسنا فهم نظرة “الفنان” هتلر، ووافقت الجامعة على قبوله بكلية الفنون الجميلة؟

قليلاً ما تراودني فكرة الكتابة عن شخص معين ولكن بعد ما طالعت ذلك الخبر قررت الخوض في تفاصيل هتلر “الإنسان”.

نشر موقع “بي بي سي” خبرًا مفاده في 23 تشرين الثاني / نوفمبر الماضي (بيع لوحة رسمها “هتلر” مرسومة بالألوان المائية بـ 161 ألف دولار في مزاد)، وكانت اللوحة التي تعود لعام 1914 وتحمل اسم “بلدية ميونيخ” مملوكة لشقيقتين مسنتين قبل عرضها للبيع.

 

“دار فيلدر” للمزادات في مدينة نورمبرج الألمانية قالت إن اللوحة اشتراها ثري من الشرق الأوسط دون الإفصاح عن اسمه. مضيفة أن اللوحة لفتت انتباه عدد كبير من العملاء في أربع قارات، وأن الصفقة تضمنت وثيقة تثبت أن اللوحة أصلية؛ مما أدى إلى ارتفاع سعر العمل الفني.

 

وما أثار انتباهي ودهشتي ولم يكن بالنسبة لي معروفًا أن “الفنان هتلر” حاول مرارًا أثناء فترة شبابه الالتحاق بأكاديمية فيينا للفنون، ولكن طلبه قوبل بالرفض.

أحاول هنا في بعض السطور القليلة أن ابتعد عن هتلر كزعيم نازي كما وصفوه ولنقترب أكثر من هتلر كـ”إنسان وطفل وفنان”، وهل أثرت طفولته والمجتمع على خلق ما يسمي “هتلر النازي”؟

“طفولة بائسة”

 

عاش هتلر طفولة مضطربة حيث كان أبوه عنيفًا في معاملته له ولأمه، حتى إن هتلر نفسه صرح إنه في صباه كان يتعرض عادة للضرب من أبيه.

وبعدها بسنوات تحدث هتلر إلى مدير أعماله قائلاً: “عقدت – حينئذ- العزم على ألا أبكي مرة أخرى عندما ينهال علي والدي بالسوط.

وبعد ذلك بأيام سنحت لي الفرصة كي أضع إرادتي موضع الاختبار، أما والدتي فقد وقفت في رعب تحتمي وراء الباب. أما أنا فأخذت أحصي في صمت عدد الضربات التي كانت تنهال على مؤخرتي”.

ولد أدولف هتلر في 20 أبريل 1889 في برونو بالإمبراطورية النمساوية المجرية، كان هتلر الابن الرابع من أصل ستة أبناء ووالدته هي الزوجة الثالثة لوالده،

ويعتقد المؤرخون أن تاريخ العنف العائلي الذي مارسه والد هتلر ضد والدته قد تمت الإشارة إليه في جزء من أجزاء كتابه كفاحي، والذي وصف فيه هتلر وصفًا تفصيليًّا واقعة عنف عائلي ارتكبها أحد الأزواج ضد زوجته.

وتفسر هذه الواقعة بالإضافة إلى وقائع الضرب التي كان يقوم بها والده ضده سبب الارتباط العاطفي العميق بين هتلر ووالدته في الوقت الذي كان يشعر فيه بالاستياء الشديد من والده.

كان هتلر الطفل طالبًا متفوقًا في مدرسته الابتدائية، ولكنه رسب في الصف السادس، وهي سنته الأولى في (المدرسة الثانوية) عندما كان يعيش في لينز، وكان عليه أن يعيد هذه السنة الدراسية.

وقال معلموه عنه إنه “لا يرغب في العمل”، فيما صرح هتلر معقبًا على هذا أن تعثره التعليمي كان نابعًا من تمرده على أبيه الذي أراده أن يحذو حذوه ويكون موظفًا بالجمارك على الرغم من رغبة هتلر في أن يكون رسامًا.

ويدعم هذا التفسير الذي قدمه هتلر ذلك الوصف الذي وصف به نفسه بعد ذلك بأنه فنان أساء من حوله فهمه.

وبعد وفاة ألويس في الثالث من شهر يناير في عام 1903، لم يتحسن مستوى هتلر الدراسي. بل ترك هتلر المدرسة الثانوية في سن السادسة عشرة دون الحصول على شهادته.

وفي 21 ديسمبر /كانون الأول 1907، توفيت والدة هتلر إثر إصابتها بسرطان الثدي عن عمر يناهز السبعة وأربعين عامًا، وبأمر من أحد المحاكم في لينز، أعطى هتلر نصيبه في الإعانة التي تمنحها الحكومة للأيتام لشقيقته باولا. وعندما كان في الحادية والعشرين من عمره، ورث هتلر أموالاً عن واحدة من عماته.

 

“بعيدًا عن الحرب”

بدءًا من عام 1905، عاش هتلر حياة بوهيمية في فيينا على منحة حكومية لإعانة الأيتام ودعم مالي كانت والدته تقدمه له، وتم رفض قبوله مرتين في أكاديمية الفنون الجميلة في فيينا وذلك في عامي 1907 و1908؛ لأنه “غير مناسب لمجال الرسم” وأخبروه أن من الأفضل له توجيه قدراته إلى مجال الهندسة المعمارية.

حاول هتلر أن يشق طريقه بجهد كرسام في فيينا حيث كان ينسخ المناظر الطبيعية الموجودة على البطاقات البريدية ويبيع لوحاته إلى التجار والسائحين، وبعد أن رفضته أكاديمية الفنون للمرة الثانية، كان ماله كله قد نفد. وفي عام 1909، عاش هتلر في مأوى للمشردين. ومع حلول عام 1910، كان هتلر قد استقر في منزل يسكن فيه الفقراء من العمال.

يقول هتلر: كان الهدف من رحلتي هو دراسة اللوحات الموجودة في صالة العرض في المتحف، ولكنني نادرًا ما كنت ألتفت إلى أي شيء آخر سوى المتحف نفسه، فمند الصباح وحتى وقت متأخر من الليل، كنت أتنقل بين المعروضات التي تجذب انتباهي، ولكن كانت المباني دائمًا هي التي تستولي على كامل انتباهي.

 

وبعد نصيحة رئيس المدرسة له، اقتنع هو أيضًا أن هذا هو الطريق الذي يجب أن يسلكه، ولكن كان ينقصه الإعداد الأكاديمي المناسب للالتحاق بمدرسة العمارة.

يضيف هتلر وفي غضون أيام قلائل، أدركت في أعماقي أنني يجب أن أصبح يومًا مهندسًا معماريًّا. والحقيقة هي أن سلوكي هذا الطريق كان مسألة شاقة للغاية؛ حيث إن إهمالي لإتمام دراستي في المدرسة الثانوية قد ألحق الضرر بي لأنه كان ضروريًّا إلى حد بعيد.

وكان لا يمكن أن التحق بالمدرسة المعمارية التابعة للأكاديمية دون أن أكون قد التحقت قبلها بمدرسة البناء الخاصة بالدراسة الفنية والتي كان الالتحاق بها يستلزم الحصول على شهادة المدرسة الثانوية.

ولم أكن قد قمت بأية خطوة من هذه الخطوات. فبدا لي أن تحقيق حلمي في دنيا الفن مستحيلاً بالفعل.

في فترة شبابه القاسية تعرف هتلر إلى رسام قليل الموهبة في الفن بارع في التجارة وأساليب تسويق الأعمال الفنية يدعي “هانيش” الذي قام بالنيابة عنه ببيع لوحاته ناصحًا إياه بالبقاء بعيدًا عن أنظار الإدارة العسكرية فيما أخذت أعمال “هتلر” تنال القبول من محبي الفن.

وانصاع هتلر بناء على اقتراح هذا الصديق لرسم الإعلانات والملصقات الجدارية بمبالغ مغرية يتقاسمها مناصفة مع هانيش من ذلك ملصق عن مسحوق صابون (تيدي) وفيه يظهر اثنان من سعاة البريد أحدهما مرهق ويتصبب عرقًا والثاني مرح ونظيف لأنه يستعمل مسحوق صابون (تيدي) وحققت مثل هذه الملصقات الاسم الفني لهتلر عند شركات الإعلانات؛ مما دفع بصديقه إلى انتحال توقيعه والقيام بالرسم بنفسه دون علم من هتلر.

في هذه الفترة كان هتلر في عامه الثامن عشر وكانت الغرفة مناسبة له تمامًا كي ينغمس في الرسم طوال ساعات الليل والنهار، وكانت موضوعاته المبكرة منصبة على رسم واجهات المباني الضخمة والقصور والكنائس القديمة، وكان شديد الاهتمام بالدقة والتفاصيل الصغيرة،

وفي أقل من شهر واحد أنجز عشر لوحات وتوجه بها إلى كلية الفنون الجميلة في فيينا تعززه ثقة كبيرة في نفسه لتأهله لاجتياز الاختبارات التي تنتظره مع عدد من المتقدمين من أمثاله بلغ عددهم 113 طالبًا غير أن هذه اللوحات لم تحظ بالإعجاب من قبل لجنة التحكيم، كذلك رفضت أعمال شاب آخر هو: كريسيان أندرسن الذي أصبح فيما بعد يعرف باسم معلم أوروبا، ثم أصبح رئيسًا لهذه الكلية التي لم تقبله طالبًا فيها ذات يوم.

لم يؤثر هذا الرفض في عزيمة الفنان (هتلر) بل نجده وفي مدينة ميونخ قد تحول تحولاً كبيرًا في منهجه الفني وشاعت الأفكار السياسية في لوحاته، وعلى العكس من إقامته في فيينا لم يهرب من نداء خدمة الواجب بل التمس أن يُقبل متطوعًا في الجيش خلال الحرب العالمية الأولى، وفي هذه الفترة كانت الطلبات على أعماله لا تنقطع، ومع ذلك قرر نهائيًّا التخلي عن الفرشاة والألوان وانحاز بكل حماسه إلي ما سماه : (قوة الكلمة) وكان يعني تحديدًا الكلمة المحكية لا الكلمة المكتوبة.

وثبت بالبحث والتقصي نقلاً عن نقل عن مجلة التشكيلي – بقلم فتحي العريبي- أن “هتلر” قد رسم حوالي 1500 لوحة ما بين زيتية ومائية وبالفحم وقلم الرصاص، وقسمت هذه اللوحات إلي ثلاث مجموعات:

الأولى منها مودعة الآن في صناديق بأحد متاحف فلورنسا،

والثانية يملكها اللورد (باث) في لونجليت بإنجلترا،

أما المجموعة الثالثة والأهم فإنها بحوزة الأمريكي (بيلي برايس) في تكساس، ولكل مجموعة من هذه اللوحات قضايا تحوم حولها وتحول دون خروجها للنور؛

فالمجموعة الأولى والمسماة بلوحات: هتلر الفلورنسية، تثير في الوقت الحاضر سلسلة من المشاكل القانونية بين ورثة سيفييرو وإدارات المتاحف هناك وهي المشاكل التي لن تنتهي بسهولة بل تزداد تعقيدًا بمرور الوقت وبسبب توقع ارتفاع صوت مفاجئ من ألمانيا يقول صراحة أن هذه اللوحات لنا ومن حقنا استعادتها.

“الوجه الآخر”

المؤرخ أولريش يقول كان صوت هتلر في المجالس الخاصة يختلف عن نبرته الخطابية التي ما زالت ترن في أسماع الألمان حتى هذا اليوم، “هناك تسجيلات قليلة جدًّا يمكن أن نسمع فيها هتلر وهو يتكلم بصورة اعتيادية، ومن الواضح في هذه التسجيلات على قلتها أنه يمتلك صوتًا هادئًا ودافئًا يختلف اختلافًا تامًا عن نبرته وقوة صوته في الفعاليات العامة.

في السنوات التي تلت بدايات عقد الثلاثينات من القرن السابق، كان هتلر يلتزم بنظام غذائي نباتي بالرغم من إنه كان يتناول اللحوم أحيانًا.

وهناك بعض الأخبار التي تم تناقلها عنه وهو يقوم بإثارة اشمئزاز ضيوفه ويعطي لهم وصفًا تفصيليًّا عن طريقة ذبح الحيوانات في محاولة منه لجعلهم يعزفون عن تناول اللحوم.

ويعتبر خوف هتلر من الإصابة بمرض السرطان (الذي أودى بحياة والدته) هو أهم الأسباب التي تم تقديمها لتبرير هذا السلوك من جانبه، بالرغم من أن الكثير من المؤلفين يؤكدون أن السبب وراء ذلك كان حبه العميق والمتأصل للحيوانات.

وقد صنع له مارتن بورمان خصيصًا صوبة زجاجية بالقرب من بيرجوف مقر إقامته وذلك للتأكد من إمداده بالفواكه والخضراوات الطازجة طوال فترة الحرب.

لم يكن هتلر مدخنًا، وكان يشجع على الترويج لحملات مناهضة للتدخين في كل أنحاء ألمانيا. ويقال إن هتلر وعد بمنح أي فرد من المقربين له ساعة ذهبية إذا تمكن من الإقلاع عن التدخين (وقام بالفعل بمنح البعض ساعات ذهبية عندما تمكنوا من ذلك).

وتؤكد روايات العديد من الشهود إنه بعد التأكد من صحة خبر انتحاره، قام العديد من الضباط والمعاونين وأفراد السكرتارية في قبو الفوهرر بإشعال السجائر وتدخينها.

وعلى لسان سكرتيرة هتلر الخاصة ترودل جونج التي عاصرت أدق تفاصيل النهاية وكادت أن تنتحر وهي ترافق هتلر في لحظات الهزيمة لولا نصيحة إيفا براون عشيقة هتلر وزوجته قبل سقوطه بأيام لها أن تنجو بنفسها.

تم عمل فيلم السقوط هذا الفيلم الألماني الرائع الذي يصور قصة سقوط هتلر والنازية دراما حربية مؤثرة وعميقة تحكي بعيون ألمانية ما حدث، وتلقي بمسحة إنسانية ليس على هتلر فقط، وإنما على القادة من حوله، إنهم بشر آمنوا بأيديولوجية مثالية وتفانوا في تحقيقها حتى التطرف فاحترقوا بها.

وبعد إتمام حفلة الزواج القصيرة في الصباح الباكر من يوم الأحد 29 أبريل تم إعداد حفل إفطار بمناسبة زواج الموت هذا، وقد أقيم الاحتفال في جناح هتلر الخاص ودعي الجميع إلى الحفل حتى الآنسة “مانزيالي” طباخة هتلر، وظل هتلر كعادته يتحدث مستعرضًا الأحداث الجسام في حياته وقال إن هذه الحياة انتهت الآن، وأكد أن موته سوف يريحه بالتأكيد، وعمت الكآبة الحفل وتسلل بعض الضيوف خارجين وعيونهم مغرورقة بالدموع ثم خرج هتلر إلى غرفة مجاورة واستدعى إحدى سكرتيراته وأخذ يملي عليها وصيته الأخيرة.

وقد جاء فيها فيما يتصل بقرار الزواج حيث يقول:

“على الرغم من أنني طيلة سنوات كفاحي كنت أعتقد بعجزي عن تحمل مسئولية الزواج فإنني الآن وقبل إنهاء حياتي قررت أن أتزوج من المرأة التي جاءت بعد سنوات طويلة من الصداقة الحقيقة طائعة مختارة إلى برلين بعد أن تم حصارها لتشاطرني قضائي وقدري، وسوف تمضى معي إلى العالم الآخر كزوجة لي بمحض اختيارها وسوف يكون هذا المصير تعويضًا لنا عما خسرناه معًا في سنوات عملي الطويلة في خدمة شعبي”.

تبقى شخصية هتلر شخصية خلافية عالميًّا حيث في غالب الأحيان تظهر وسائل الإعلام مساوئ شخصيته وأبرزها معادة السامية، لكن لهتلر ميزات إلى جانب أعماله السيئة،

عندما تسلم هتلر مقاليد الحكم في ألمانيا كانت ألمانيا وقتها مهزومة في الحرب، مدمرة اقتصاديًّا، موقعة على معاهدة فرساي والتي تنص على تحديد عدد الجيش، وتحديد القدرات العسكرية الألمانية، لكنه بعد ذلك زاد القدرات العسكرية الألمانية، ألغى معاهدة فرساي، أنشأ المصانع ووصلت البطالة لمعدلات منخفضة، كما انتعش الاقتصاد الألماني.

اهتمام هتلر بالفن كان استثنائيًّا، فحين كان جنديًّا في إجازة خلال الحرب العالمية الأولى، لم يمض إجازته بين المواخير، بل في متاحف برلين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد