الموسيقى تُمتّع الروح والعقل معًا، تُرهف الحس، وتربي الذوق، بل وتعالج الجسم أيضًا، إذ أصبحت اليوم تستعمل أكثر فأكثر في مستشفيات وعيادات البلدان المتقدمة، لا في العلاج النفساني فحسب، بل وفي العلاج الجسماني أيضًا، طبقًا للنظرية الطبية القائلة بأن كثيرًا من الأمراض التي كان يظن حتى الآن أنها جسمانية بحتة هي في الواقع ذات طابع مـزدوج، نـفسـاني- جـسـمـانـي (psychosomatique)، (وإن كان ابن سينا والرازي خاصة قد نبّها إلى هذه الطبيعة المزدوجة للمرض منذ أكثر من ألف سنة!). تُعٙـالـج ككل بهـذه الموسيقى في عدة بلدان أوروبية خصوصًا ألـمـانـيـا والنـمـسـا.

ثم إن هذه الموسيقى ليست من ذلك النوع المخدر للأعصاب والـنـفـوس، أو المهيج لها، ولا من ذلك النوع الذي يبعث على الانحلال الخلقي، كتلك الدندنة التي تتـغنى بالخمر، والغلمان، ومن كلام أقذع من هذا بكثير وأفظع، ومن تلك السخافات البذيئة والكلام الذي يساهم في تمييع الأوساط الشعبية!

فالموسيقى الكلاسيكية العالمية في أغلبها ولدى أساطينها هي موسيقى تهذيب النفس، والسمو بالروح والعـقـل، وترسيخ القيم الخلقية العليا على كل من المستويين الفردي والوطني؛ بل والعالمي.

ويكفي ذكر بعض أبرز المحطات والأمثلة في هذا المجال. «ففي أسوأ لحظات مقاومة الروس في ستالينغراد للحصار الخانق الذي أحاطت به الجيوش الألمانية المدينة، كانت الفرقة الفـلـيـهارمونيكية الروسية في هذه المدينة تعزف السيمفونية التاسعة لبيتهوفن الألماني، التي يتغنى فيها العبقري الـخـالـد بقدرة الإنسان على الخروج من أضيق المسالك، ويُشيد فيها بإنسانية الإنسان»!

وإذا ما تذكرنا أن الموسيقار الخالد كتب في مذكراته، وهو يؤلف سيمفونيته الخالدة هذه بتأثير صديقه الشاعر الثوري المعروف «شـيـلـلـر» ما يلي:
«آه، يا لـه‍ا مـن تعـاسة! إني لأتـضـور جـوعًا، ولم أذق طـعـم الخـبـز منذ ستـة أيـام!» هنا تدرك القمة الروحية التي كان عليها، وهو ينظر من أعلى بكل سخرية واحتقار إلى المتاعب المادية العارضة «التي لا ينبغي أن تـجـر إلى منزلقاتها وحضيضها النفس الأبية الشـمّٙـاء، المتعالية على المادة العمياء الصماء!».

وكـتـب هو مرة يقول: «إن الموسـيقى هي وحي أعلى مـن كـل فـلـسـفـة، وأعـمـق من كل حـكـمـة! والذي تنـفـتـح له مـوسـيـقـاي يتـحـرر من كل المحن التي تـثـقــل كواهل الآخـرين!».

وهـو نفـس بـيـتـهـوفن الـذي ظـل يـردد تلك العـبارة المشهورة لأستاذه الروحي الفيلسوف «كانط»: هنـاك شيـئـان همـا أعظـم ما في الوجـود: السمـاء المتلألئة بنجـومها فـوقي، والقانـون الأخلاقـي في ضمـيـري!
«der bestirnte Himmel ueber mir und das moralische Gesetz in mir».

وهو نفس بيتهوفن الثوري الذي قال في سياق من السياقات التاريخية عن نابليون الذي كان جاثمًا على مسقط رأسه، بـون:
«إنـمـا أنت ديكـتـاتـور مـثـل الآخـرين، تـدوس حريـات الشـعـوب!» وترك لنا بهذه المناسبة رائعة من الروائـع الخـالـدة في تمجـيد الـحرية سمـاها الـبـطـلـة «Eroicar» وهي زمجرة ضد الاحتلال، ونداء إلى الكـفـاح التـحـريـري، بعد أن كان يود إهداءها إلى نابـلـيـون!

وهو الذي رفض وظائف عديدة عرضها عليه جيروم بونابرت، أخو الإمبراطور وملك كاسل، وملك بروسيا، وإمبراطور النمسا، وآخرون، وهو في صميم الفقر والبؤس، مرددًا عنهم جميعًا: «أمـراء وملوك، وأباطرة، وقياصرة… وجدوا، يوجدون، وسيوجدون، أما بيتهوفن فليس هناك إلا واحـد»!

وكان يردد في هذا السياق شعاره المعروف: «أحبـب الحـرية فـوق كل شيء، ولا تنكر الحقيقة حتـى أمـام التـيـجــان!».
فبيتهوفن رفض أن يساير تيار عصره ويؤلف في أسلوب «الأوبرا» السائد الذي تميز في ذلك الوقت بالاختلال والانحلال في الأوبريت، وطغت فيه موسيقى خفيفة تدعو إلى اللهو والمجون، والاستهانة بقيم الإنسان.

لـقـد كانت موسيقى بيتهوفن في خدمة القيم الأخلاقية العليا للإنسان، والدفاع عن حرية الإنسان وكرامة الشعوب، وضد الديكتاتورية، والاستعباد. وهناك أعلام كثيرون من أعلام الموسيقى أمثال: موسـورغـسكي في روسيا، وسـيـمتانا ودفورجاك في تشيكوسلوفاكيا «قديمًا»، وخـوبين Chopin في بولونيا، وزلطان كودالى في المجر، وغريغ grieg في النرويج، وسيبيلوس في فـنلـندا، وفيلا لوبوس villa-lobos في البرازيل، وجورج يونيسكو jonesco في رومانيا، وآخرين كثيرين، ممن عبروا بمـوسـيـقاهم عن كفاح شعوبهم من أجل الحرية والكرامة، وعن روحـهـا، وشخـصـيتها، وآنيتها، وأصالـتـهـا، على أساس مـوسـيـقاهم الشعبية، وباستلهام تاريخهم، من أفراح وأقراح وكان الذي أصبح «تراثًا مشتركًا للإنسانية جمعاء».

لم لا نرجع وندرس هذه الموسيقى بعناية، ويؤلف ويبدع فيها الكل، ويؤلفون فيها آثارًا تكون لوحات تعبر عن آلام وآمـال هذا الشعب؟ وليشمل كل الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء، لم لا؟ وتكون في نفس الوقت «تاريخًا معزوفًا» ويصوغون لنا ألحان الملائكة كما قال فيها بيتهوفن، وتكون حاملة في لوائها ثورة المبادئ والقيم، لا كما الحال الآن حيث سـادت ألحان بمـوسـيـقـى صاخبة تضجر الآذان، ويخفق القلب لرداءتها لا سرورًا، وكلمات لا تمت للخلق ولا أي مبدأ سوى الانحطاط.

واختم بقول الـعـبـقـري بـيتـهـوفـن:
«إن المــوسـيـقى هـي وحـيُ أعـلى مـن كـل فلسفة، وأعمـق من كـل حكمـة! والـذي تنـفـتح له مـوسيـقـاي يـتـحـرر مـن كـل بـؤس يـثـقـل كـواهـل الآخـريـن».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد