عندما نتحدث عن الآداب والموسيقى والسينما والفنون الجميلة المختلفة وأساليب المتعة الروحية والأدبية فإننا نتخيل المجتمع الذي أنتج هذه الأنواع من الأعمال الانسانية، روح أهله ومزاجهم العام، طرائق عيشهم وتصوراتهم للعالم الذي يعيشون فيه ويتفاعلون مع أحداثه، مدى الوعي بأهمية الأشياء المحيطة بهم وتقديرها، النظام السياسي الذي يحكمهم، طبيعة العلاقات التي تربطهم ببعضهم البعض،كل ذلك يحيلونه إلى صور وأشكال قد تأخذ هيئة تمثال منحوت أو فيلم سينمائي، أو زخارف ونقوش على الجدران، أو أغاني وأعمال فنية مختلفة، أو أزياء وتصاميم ونحو ذلك، وكلما كان المجتمع سليمًا في بنيته ومنسجمًا مع مكوناته كانت تلك الأعمال رائعة وجليلة وخلاقة.

في مقابل ذلك تكون الأعمال والأحوال المضطربة والأمراض الفكرية والنفسية المتفشية في المجتمع الذي تحكمه الأنظمة القمعية والبوليسية سببًا لظهور ألوان مغايرة ومناقضة لما تعطيه المجتمعات السليمة والمتحررة، يكون فيه نتاج الأفكار والأعمال والسلوكيات صورة للأوضاع المختلة والعلل المستفحلة في دواخله، هو مجتمع ينتج نعم ،ويبدع كذلك ويتحرك في الوجود؛ لكن إنتاجه وإبداعه وحركته تكون معاول لهدمه وتفتيت أجزائه وتحطيم ذواته وعناصره، وتخرج للوجود صورًا مشوهة لا ترضاها إلا الطبائع المدخولة والنفوس المعلولة.

مرآة المجتمع

ففي بلادنا العربية مثلا نرى هذه الحركة الإبداعية المشوهة في نوع الموسيقى المنتشر في السنوات الأخيرة، ونسمع عن مطربين مثل شعبولا وسعد الصغير وأوكا وأورتيجا وتسونامي وغيرهم ممن يسمونهم الفنانين الشعبيين، ونرى الفن الذي يُحْتَفل فيه بالجريمة وتُمجّدُ البلطجة بالرقص بالسكاكين والزجاجات المكسورة و«المطاوي»، ويحتفى بالأعمال الإجرامية في شكل تلك الرقصات والتمايلات ورفع الأيادي بالزناجير والسلاسل بحيث تصور المجرمين قدوة لتلك الأوساط الشعبية، ويصبح العنف والفتونة وقطع الطريق وما هو بسبيل الرقاعة والمساخة مما يحتفى بِه في الأعراس والمناسبات الاجتماعية.

وفِي العراق مثلا نتيجة الحروب المتصلة منذ التسعينيات، والعسف والخسف والرعب الذي عانى منه العراقيون؛ فإن ذلك كان له أثر عميق في الموسيقى والغناء الذي ينتجه هذا المجتمع العريق، حتى إن الأنغام تأخذ شكل طلقات الرصاص المتتالية شبيهة بالصوت الذي يصدره عادة الرشاش الآلي.

الفن في الأزمنة القمعية

في ألمانيا كانت النازية تمنع على الناس الاستماع إلى موسيقى السود كالجاز الذي كان موضة ذلك العصر وكان الناس مفتونين به في أمريكا وأجزاء من أوروبا، وكان هتلر يصبو إلى ما عرف بمشروع تفكيك الموسيقى الأوروبية وإعادة صياغتها من منطلقات نازية.

وفِي المقابل كان الموسيقيون الألمان يعانون من القوانين الصارمة التي تصادر الأعمال الموسيقية التي لا تؤدي وظيفة دعائية، ويُحتفى بتلك التي تستجيب للمعايير التي وضعها هتلر حتى ولو كانت موسيقى رتيبة جافة متصلبة، وكأن نوتاتها قُدّتْ من حديد المزنجرات ومصانع السلاح  النازية.

عبد الوهاب وأم كلثوم وفريد مثلا كانوا امتدادًا للعصر الملكي وليس الناصري الذي لم يعمر طويلا بشكل يسمح له بأن يبلور فنًا خاصًا به، مثله مثل الفن في زمن هتلر وفرانكو وموسوليني، فلم يعرف الفن تقدمًا ملحوظًا في عصرهم وبقي يجتر المواد الكلاسيكية التي سبقته، والدكتاتوريات عمومًا لم تبدع فنًا إنسانيًا جميلًا بسبب القمع والاحتكار الذي تمارسه تلك الأنظمة على الفن وأهله، والعمل على توجيهه لخدمة النظام وتلميع صورة الزعيم، ولا تزدهر عادة سوى الأغاني الوطنية التي تكون موجهة بالأساس إلى تعبئة الجماهير خلف القائد ونظامه.

لقد حاول جوزيف جوبلز وزير الدعاية النازية في حكومة هتلر في الحرب العالمية الثانية أن يصنع سينما ألمانية ينافس بها هوليود؛ لكنه رغم كل الإمكانيات المتاحة والتكنولوجيا فشل في مقارعة السينما الأمريكية بعد إنتاج عديد من الأفلام الخاضعة لمنطق البروباغاندا النازية، وكان  يفرض على جميع الأفلام المعروضة في ألمانيا أن تعرض مع الفيلم  مادة وثائقية دعائية نازية.

وكان هتلر يدرك تمام الإدراك محورية الصورة وأثرها السيكولوجي، وتحدث عنها في كتابه الشهير «كفاحي»، وقال إن الصور والأفلام لها عظيم الأثر في إيصال الأفكار والقناعات للجماهير العريضة، فبضربة واحدة يتم نشرها وإدراكها أسرع من الأمور التي تقدم في الكتب وتتطلب وقتًا وجهدًا لقراءتها.

الأفلام السينيمائية وسيلة ساحرة للاستمالة والاستهواء السياسي، وأداة دعائية لا يشق لها غبار، حيث يتم تمرير الخطاب القمعي عن طريق لغة روائية محببة ومشوقة، هذه اللغة الروائية التي يخاطب بها النظام القمعي المتلقي تصاحبها الصورة المتحركة بكل ما تتضمنه من إثارة وما يحيط بها من جاذبية وما يكتنفها من عناصر مركبة وما تتطلبه من انتباه وتركيز؛ فهي مليئة بالمفاجآت المتعلقة بتوالي اللحظات وتغير الأماكن وتعاقب الأحداث، وزاخرة بثراء لا حدود له من الإيقاعات التي تتحكم في إثارة وتحريك الانفعالات والمشاعر.

والفن المصري كان مزدهرًا نسبيًا في أيام الملكية، ومعظم كبار السينمائيين المصريين نشؤوا وترعرعوا في تلك الفترة، أمثال زكي رستم ونجيب الريحاني وعبد المنعم مدبولي وإسماعيل ياسين… وقد كانت فترة الملكية في مصر تتميز بقدر غير يسير من الحرية والليبرالية.

وبعد ثورة يوليو مع وصول العسكر إلى سدة الحكم أمّم جمال عبد الناصر  شركات الإنتاج واحتكر القطاع  تحت المؤسسة العامة للسينما وتولى الجيش إنتاج أفلام القطاع العام وشدد الرقابة وأقصى عددًا من كبار الفنانين وصادر أملاك بعضهم.

سينما تكرس الاستبداد

وشهدت السينما المصرية استقطابًا على امتداد الحكم العسكري وارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالسياسة منذ الحقبة الناصرية، ثم انحدرت إلى الابتذال والسطحية في عصر السادات، وأصبحت تجارية تافهة في زمن مبارك، إلى أن وصلت في عهد السيسي إلى قاع الحضيض في جميع الجوانب سواء في كتابة السيناريو ونوعية المواضيع المطروحة، أو أداء الممثلين والمعالجة الدرامية، أو في الإقحام الفج للأحداث السياسية والإسقاطات السخيفة التي تورطت فيها كثير من الأفلام والمسلسلات بِمَا يخدم مصلحة النظام القائم.

فبعد تولي السيسي وعزل محمد مرسي شهدت الأعمال السينيمائية المصرية تركيزًا على المواضيع التي تحاول التبخيس من الثورة ونشطاء حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني؛ بإظهارهم في صورة الخونة أو الأشخاص المتهورين أو لفيف من المرتزقة وطلاب الشهرة، وفِي المقابل يتم تمجيد الشخصية الأمنية والعسكرية وإبراز مواهبها وخصالها النبيلة وتسليط الضوء على ما تتحلى به من شيم التضحية والإخلاص والانضباط… بل وحتى الرومانسية.

ويتميّز الفن في فترات الاضمحلال وأزمنة القمع الرديئة بكونه وسيلة من وسائل التوجيه والدعاية الرخيصة؛ لكنها فعالة ومؤثرة، وترسيخ قيم الأنظمة القمعية في المجتمع، وفي حالة النظام المصري فقد أدرك العسكر منذ زمن بعيد أن الفن أحد الركائز الأساسية في منظومة البروباغاندا ودعامة قوية لدوام حكمهم وبقائه.

 وبعد الإطاحة بمحمد مرسي، عادت السينما المصرية لتروج للاستبداد والقبول بالأمر الواقع والتطبيع مع تجاوزات السلطة وتكرار المشاهد التطبيعية مع عنف الشرطة التي تظهر المواطن الخاضع الذليل وهو يقف أمام الضابط المتعجرف ويناديه في خوف وارتجاف بألقاب الباشا والبيه.

تنحدر سينما وفنون الديكتاتور إلى قاع المجتمع وتنهل من روافده وتتعاطى مع ما ينتجه من تصورات وما يعج به من أحداث وتستعمل نفس أدواته، لا تقصد من ذلك نقده ومعالجة اختلالاته السلوكية والتوعية؛ ولكن على العكس من ذلك تكرس تلك الاختلالات وتعمل على شرعنتها، كما أنها تسعى من خلال مخاطبة الجماهير العريضة بنفس خطابها مهما انحدر، إلى تمرير ما تشاء من الإشارات والرسائل الضمنية التي يهمها أن يستوعبها الشعب تمام الاستيعاب.

فنانون برتب عسكرية

يميز نظام الحكم المطلق بين الفنانين الموالين والمعارضين أو حتى الذين لا يبدون الحماسة اللازمة تجاه الديكتاتور، يعامل المتملقون بالاحتفاء والتكريم، وتعرض عليهم الأعمال الفنية على مدار السنة ويدعون إلى الحفلات الرسمية ويتصدرون صفحات المجلات ويحلون ضيوفًا على أبرز البرامج في إعلام النظام؛ هؤلاء عادة ما تكون لهم جلسات توجيه وإرشاد مع أطراف في النظام لإطلاعهم على الأفكار والقناعات التي يريد النظام نشرها في المجتمع الخاضع لسلطته، إضافة إلى المتعاونين من المنتجين والمخرجين وكتاب القصص والسيناريو.

يقصي الديكتاتور المعارضين له ومن يبدون تململًا من سياسته، يهملهم ويشوه سمعتهم إذا اقتضى الأمر، ويدعو الوسط الفني الموالي أن يتجاهلهم، لا يلبث كثير منهم أن يعود إليه طالبًا الصفح بعد أن أثرت فيه سياسة الحرمان والمقاطعة والتخوين وأوشك على الإفلاس.

يتحول كثير من الممثلين ومشاهير الغناء والمسرح إلى دكتاتوريين صغار يملؤهم الغرور والكبرياء والصلف، وينفخ فيهم إعلام النظام ويرفع من خسيستهم إلى مصاف المفكرين وكبار المثقفين، يستغل شغف الجمهور بهم وتعلقه بأخبارهم وتتبعه لأعمالهم فيجعل منهم بوقًا يلهج بما يمليه عليه من أقوال وآراء، ويصدح بما يأيد سياسات الزعيم وتوجهاته.

يحافظ الديكتاتور على المخلصين من أبنائه لا ينسى ما قدموا له من جميل وأسدوا له من معروف ولو طال الزمن، هذه الفئة لا تشتكي من قلة الفرص أو المحاربة في الوسط الفني، وهناك قائمة طويلة من الفنانين والفنانات الذين دخلوا أبواب السينما عن طريق المخابرات والجيش، وكثير منهم يمثل فعلا دور المخبر والجلاد داخل الأوساط الفنية.

 وتجد أشد المدافعين عن النظام العسكري في مصر أولئك الذين قدموا أعمالا من إنتاج المخابرات العامة المصرية وتحت يافطة (من ملفات المخابرات العامة)، هؤلاء هم نواة النواة وصميم الصميم الذين لا يشك في ولائهم المطلق للدولة العميقة في مصر، ويصح القول بأنهم ضباط موظفون للتمثيل وأداء خدمة مهنية كباقي ضباط الوحدات الاعتيادية.

القولبة لا تدوم

في زمن الديكتاتور تغيب الأفكار وتتوارى الآراء في العتمة، وتنتهي الخلافات والأيديولوجيات وتفض المناظرات السياسية والاجتماعية ويعم السكون المطبق والاتفاق التام حتى على أبسط الأشياء.

 كل شيء في مجتمع الديكتاتور فولاذي يصب في قالب واحد ويعرف مسارًا واحدًا، تتلاشى الأحزاب السياسية وتتوارى التعددية وتصطف الأفكار والبرامج والفنون والآداب في مضمار واحد وخطوة عسكرية صارمة؛ الأمر الذي يعطي دينامية جديدة لعناصر التمرد وخلايا العصيان في الطبيعة التي تحركها ميكانيزمات التعدد والتباين والاحتكاك والتضاد، لتعود فتمارس أعمالها الطبيعية بالتصادم والانشقاق والتشظي؛ في محاولة لخلق واقع جديد مختلف يوافق روح التعددية والاختلاف التي تطبع الكون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد