في مشهد من الصراخ والتوبيخ والبكاء يبدأ المسلسل التركي «شقة الأبرياء» في الظهور منتزعًا منك أكبر قدر من التعاطف مع شخصيات المسلسل، وخلال متابعتك لأحداث المسلسل تتحول من متعاطف مع شخصياته لنامق وغاضب على كل تلك البيوت التي ينشأ من فيها على الخوف والإهانة والعنف.

مسلسل «شقة الأبرياء» وهو ينقلك بين حكايات من فيه، تتوقع في بداية الأمر أنك بعيد كل البعد عنها، ولكن سرعان ما ستكتشف أنك بشكل أو بآخر تعرضت لما تعرض له أبطال الحكاية.

يعيد المسلسل تعريف مفهوم العنف بأذهاننا، فجُل ما نعرفه عن العنف هو ذلك الضرب الذي يترك أثرًا في أجساد من تعرض له، لكنه في حقيقة الأمر يوجد نوع آخر من العنف أشد وطأة وأوسع نطاقًا يسلط المسلسل الضوء عليه؛ ذاك العنف لا يحدث فقط على مستوى علاقات الأسرة بل يمتد للصداقات والعلاقات العاطفية وحتى الجيرة، هو العنف الذي ليس له أثر في أجسادنا بل في قلوبنا ووعينا ونفوسنا أيضًا.

في شقة الأبرياء لا يوجد بريء

المسلسل يسرد بكل بساطة كيف يمكن أن تتحول من ضحية إلى مؤذٍ يمارس سطوته على كل من حوله ويحول حياتهم لجحيم بحجة الحب، مستخدمًا كل طرق التلاعب العاطفي، فجميع أفراد الأسرة تعرض لعنف الأم وتوبيخها الذي بدورها هي أيضًا كانت ضحية لإهمال زوحها ولأمها التي كانت ترى أنها عديمة الحظ بسبب تأخرها في الزواج.

تلك الأم لم تتوان للحظة واحدة في إيصال مجموعة من الرسائل السلبية لأبنائها عنوانها أنهم غير مرغوب فيهم من قبل أبيهم، بل لم تفوت فرصة لنزع الأمان من أطفالها ظنًّا منها أنها بذلك تحميهم من الوثوق في الآخرين، ولكن في حقيقة الأمر كانت تفرغ سخطها من زوجها في أولادها، تحولت الأم من ضحية لشخص يتفنن في الإيذاء، وللمفارقة كانت ذريعتها في ذلك أنها فقط من تحب صغارها.

ما بين سلبية الأب وعدم لعبه لدور الأبوة، وبين إيذاء الأم خرج إلينا مجموعة من الشخصيات المشوهة نفسيًّا، فهناك رجل الأعمال الذي يعاني من وسواس جمع القمامة، وشقيقته الكبرى التي تعاني من وسواس النظافة القهري الشديد وتتحكم باختيها الأصغر اقتداء بوالدتها، نتابع أحداث المسلسل ونتعرف كيف يمكن للعنف العاطفي والحرمان من المحبة أن يكون لهم بالغ الأثر في حياة الإنسان.

العلاقة المسمومة

يمثل مسلسل شقة الأبرياء حالة من خلق الوعي حيث يكشف من خلال طبيعة العلاقات بين شخصياته عن العلاقات المسمومة ولماذا نقع فيها، وكيف يمكن أن نتعامل معها إذا كنا وقعنا في فخها، وعن كيف يمكن أن نكتشف أننا بداخل علاقة مسمومة من الأساس.

العلاقة المسمومة تشبه حالة من الضبابية تخلق فيك أمانًا زائفًا، تجعلك دائمًا في حيرة مستمرة عن ما إذا كنت سعيدًا أم لا، هي العلاقة التي تأخذ من كلمة الحب ذريعة لافعل ما شئت، فنحن نأذي ونتحكم ونكذب ونزيف بدافع الحب ولكن هذا المعنى المشوه للحب.

يظهر المسلسل أن من لم يحصل على أمان وثقة وحب ودفء كافٍ من أسرته، و أن من لم يصل له رسائل أمان وأنه كافٍ، ٍيكون أكثر عرضة للوقوع في مثل هذه العلاقات، ليس ذلك فحسب بل يجد صعوبة دائمًا في معرفة إذا كانت العلاقة مسمومة أم لا، فإذا كنت ترى أنك كافٍ وتستحق التقدير والأمان الحقيقي لن تسعى أبدًا للبقاء في علاقة مسمومة، بل سترغب في إنقاذ نفسك وحسب.

ليس الوقت متأخرًا بعد

الجميع يمكنه الوقوع في فخ العلاقات المسمومة، الجميع يمكنه أن يخطئ في تربية أبنائه ظنًّا منه أن القسوة يمكنها أن تخرج إنسانًا قويًّا يمكنه التعامل مع الحياة، لكن بمثل هذه الأعمال الفنية والكتب التي تنتشر الآن لتخلق حالة عامة من الوعي بالسلوك السليم في التربية، وعما يمكن فعله عندما نكتشف أننا في علاقة مسمومة، يمكننا جميعًا أن نصلح من ذلك بل نحسن من جودة حياتنا وعلاقتنا، يكفي أن نعلم جيدًا أن أول مراحل التغيير هي الوعي!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد