تشكك الناس في مصداقية تحليلي عندما أوضحت أن ترامب فاز في المناظرة الأولى بينه وبين هيلاري. وسبب ذلك أن الناس اعتمدت  بالكامل علي  قياسات وتحليلات الإعلام الغربي -الأمريكي والأوروبي- دون التمعن في أداء ترامب أمام هيلاري. أيضًا، اعتمد المتابعون للانتخابات الأمريكية في تقييمهم لأداء ترامب على شعورهم بالكراهية تجاه المرشح الجمهوري العنيد، ولم يلتفتوا إلى أن مساوئ ترامب في غاية التفاهة -وتعتبر عادية مقارنة بثقافة الشعب الأمريكي- مقارنة بفساد أسرة كلينتون التي أثخنت جراحهم تسريبات ويكيليكس المتتالية المنظمة القاتلة. أحد نجوم الضربات الأخيرة لآل كلينتون كان رئيس المباحث الفيدرالية الأمريكية بعد إعلانه إيميلات جديدة «قد» تحتوي على معلومات تفيد التحقيقات القديمة التي كانت أغلقت بتبرئة هيلاري كلينتون من سوء التصرف في معلومات سرية للدولة الأمريكية.

للتأريخ، لا يجب أن تظن أسرة كلينتون أنها ستكون بمأمن من انتقام ترامب والجمهوريين بصفة عامة. سيرى الجمهوريون أنها فرصة ممتازة لتلطيخ سمعة الديمقراطيين لعدة سنوات قادمة، بحيث لا تقوم لهم قائمة ولا حتى بعد الفترة الثانية لترامب (والتي أتوقعها ما لم يفعل ترامب شيئًا جسيمًا يستوجب سحب ثقة الكونجرس).

أيضًا ناقشت الأسباب التي تدفع ترامب للبيت الأبيض، وأثبتت الأيام صدق توقعاتي، وخصوصًا في موضوع عدم صدق استطلاعات الرأي في فترات الخوف والتغيرات الشديدة . ظهر فشل تلك الاستطلاعات «العلمية» جليًا في توقع «عدم» خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ، والتنبؤ الفاشل بمخرجات الانتخابات الأمريكية.

عمومًا، برامج ترامب للسياسة الخارجية والداخلية في غاية السهولة. فهو سيمحو كل أثر لسنوات حكم أوباما!

الجمهوريون متلهفون -وخصوصًا بعد حصولهم على الكونجرس بمجلسيه- إلى وقف كل اتفاقيات السيطرة على مناخ الأرض والتغير الحراري، إلغاء التأمين الصحي المعروف بأوباما كير، تقليل ضرائب الشركات ، تخفيف القيود على القطاع البنكي والعقاري والبترولي، إضافة إلى –وهو الأخطر– تعيين عدة  قضاة في المحكمة الدستورية العليا.

المحكمة الحالية بالفعل تميل إلى اليمين على الرغم من تساوي عدد القضاة الديمقراطيين –أو المتعاطفين مع الحزب الديمقراطي- مع المحافظين. لأن اليمين واليسار الأيديولوجي مختلف عن اليمين واليسار في فهم الدستور! فمن الممكن أن يكون القاضي محافظًا أيديولوجيًّا، ولكنه ليبرالي في فهم الدستور، والعكس صحيح. بعد موت أحد القضاة -المحافظين أيديولوجيًّا ودستوريًّا- في فترة حكم أوباما، رفض مجلس الشيوخ –ذو الأغلبية الجمهورية- ترشيحات أوباما لهذا المنصب. الحال سيختلف مع ترامب كليًّا، حيث سيعين –بلا معارضة- قاضيًا محافظًا في أول فترة حكمه؛ مما سيدفع المحكمة ناحية اليمين قليلًا. ليس هذا القاضي هو المشكلة، المشكلة الفعلية أن معظم القضاة الدستوريين كبار في السن. من المنتظر في خلال سنتين أو ثلاثة أن يتقاعد ثلاثة قضاة على الأقل، مما سيمكن ترامب من التأثير الفعلي ودفع المحكمة إلي أقصى اليمين الفكري والدستوري. هؤلاء القضاة سيستطيعون أن يحيلوا الكثير من القضايا التي اهتم بها أوباما إلى سلطات الولايات السياسية –حيث إن ثلثي محافظي الولايات من الجمهوريين- وليس السلطة الفيدرالية المركزية. هذه الإحالة ستضعف سلطة الدولة المركزية، وستهدد قوانين البيئة، والأقليات، وحرية الرأي، وحقوق الإجهاض، وغيرها مما سيتسبب في ردة شبه تشريعية ترجع بأمريكا عشرات السنين للوراء! وعندما نذكر هذه الحقوق فنحن لا نقر بصحتها أو خطئها، ولكننا نقول فقط إن «كل» الحقوق ستخرق.

سيتحسن الاقتصاد الأمريكي بلا شك نتيجة لرفع القيود عن الصناعة والتجارة، مع عدم الاكتراث بالبيئة أو تأثير الانبعاثات على تغير مناخ كوكب الأرض. سينمو الناتج القومي الأمريكي بمعدلات عالية نتيجة لتقليل الضرائب، وتقليل القيود التنظيمية على المؤسسات. وستنال كندا بعضًا من النمو عن طريق أنبوب النفط «كي ستون إكس إل» الممتد من ألبرتا بكندا، وحتى ولايات إلينوي وتكساس وأوكلاهوما بأمريكا. تم وقف هذا المشروع في عهد أوباما نتيجة لاعتبارات بيئية، واقتصادية، وسياسية عديدة. سيرتبط تنفيذ هذا المشروع -في رأيي- بإلزام كندا بتقديم بعض التنازلات في اتفاقية النافتا القائمة بينها وبين أمريكا والمكسيك. ربما ينحصر الأمر في تسهيل عمالة الأمريكيين داخل كندا، أو تشديد التدقيق على المهاجرين القادمين من البلاد المغضوب عليها أمريكيًّا، أو ما هو أكثر من هذا وذاك!

سيتم بالطبع بناء الجدار بين أمريكا والمكسيك، وستدفع المكسيك ثمنه، وإلا –بمنتهى البساطة– ستهددها أمريكا بسحب استثماراتها الصناعية. وبهذا سينهك الاقتصاد المكسيكي، والذي تأثر بالفعل من فوز ترامب، حيث انخفض البيزو المكسيكي بمقدار 9.4% أمام الدولار!

بوجود ترامب، سيتغير ويختلف تأثير أمريكا على العالم، وسيعاد النظر في علاقة أمريكا بروسيا والصين وأوروبا والشرق الأوسط . أما عن النسيج الاجتماعي الأمريكي، فحدث ولا حرج! حيث يحتاج شرح ما ينتظر المجتمع الأمريكي من تغيرات اجتماعية ونفسية وفكرية إلى مقال آخر مفصل.

ما ينتظر أمريكا جسيم وكبير وخطير، وعلى العالم الاستعداد والترقب والحذر.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد