وقعت عينيّ على اسمك (عبد الحميد شتا) فما لبثت أن أبحث عن حكايتك

بادئ ذي بدء أسمح ليّ أن أرفع التكليف، وأنا أكتب إليك، وهذا ليس تقليل من شأنك أومن شأن عبقريتك، فأنا أقل من أن أقلل من شأنك، ولكن عندي من حسن الظن في فطنتك التي شهد لك الجميع بها بأنك ستحدس أن طلبي هذا ليس وراءه إلا رغبة في التودد إليك تنطوي على مخاطبتك من القلب إلى القلب. كما سأوفر عليك السؤال البديهي الذي سيطرأ على بال كل شخص في موقفك هذا «ما الذي ذكرك بيّ»؟

في حقيقة الأمر لم أكن أعرفك قبل ذلك، بل أن الحادثة المفجعة التي قتلتك مرتين لم أوعَ عليها لأني آنذاك كنت أبلغ من العمر ست سنوات فلم أكن أعي بما يدور حولي، ولكن وأنا أطالع كتاب (للكاتب الجميل عمر طاهر) بعنوان (زمن الغم الجميل) وقعت عينيّ على اسمك (عبد الحميد شتا) فما لبثت أن أبحث عن حكايتك لأن عمر لم يذكرها من الأساس، ولكنه ألقى الضوء على اسمك فما كان بعد ازدياد فضولي إلا أن أهرول ناحية الإنترنت لكي أستزيد من تفاصيل الحادثة التي تعرضت إليها، ولا أخفي عليك أن ما عرفته أثار حفيظتي، لدرجة جعلتني أدخل في نوبة من السب واللعن في كل شيء آل بك إلى هذا المصير المريع.

فمطالعتي لسيرتك الذاتية جعلتني (أستنقص) نفسي وأشعر بالضآلة أمامك فكيف شخص مثلك يتسم بهذه العبقرية الجلية والقدرة الجبارة على العمل الدءوب يتم أستبعاده من الوظيفة التي لو افترضنا أنها لا تسع إلا متقدمًا واحدًا كان المفروض أن تكون أنت المتقدم الذي تسعه الوظيفة وكيف لا يحدث هذا وأنت تفوقت على جميع – في جميع الأختبارات التحريرية والشفوية على مدار عام – المتقدمين الذين كانوا متمنين الوظيفة مثلك فمثل هذه الوظيفة لا تدرك إلا بالاستحقاق ولا يمكن أن تدرك بالتمني، وأنت كنت المستحق الأول بها.

وحتى لو افترضنا أن اللجنة المسؤولة أرتأت أنك غير مستحق للوظيفة وأن هناك الأجدر منك – «في الغالب بتوع مامي وبابي» – الذي يستحقها أليس بمتفوق مثلك حاصل على درجة الماجستير وعلى تقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى في السنوات الأربع في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة ينبغي أن يتكئ قرار استبعاده من الوظيفة على أسباب سائغة؟ فالإجابة التي لا يمكن أن تخضع للتقدير بالطبع نعم. فهل استبعادك لكونك فلاحًا ابن فلاح – مثلي- يعتبر مبررًا من الأساس حتى يمكننا أن نستسيغ قرار استبعادك بالتذرع أنك غير لائق اجتماعيًا؟ فللأسف المنطق انتحر هنا، لذا لا أجد إجابة على هذا إلا بـ«ياخي أحا» معذرة على تفوهي بهذه الكلمة الممجوجة مجتمعيًا، ولكن – بدون قصد – الغضب استبد بيّ.

فوا أسفاه يا عبد الحميد ففي اللحظة التي قرأت فيها نتيجتك المجحفة كانت هي اللحظة التي قُتلت فيها روحك المثابرة، وذلك قبل أن تُمليّ وصيتك على زوجة أخيك «سلمي على أبويا وأمي‏، وقولي للسيد خد بالك من رضا‏، خليك معاه لحد ما يكمل دراسته‏، وخدوا بالكو من بعض»، وتقرر تعطيل الأجهزة الحيوية في جسدك الذي بات بدون روح فتلقي بنفسك في النيل من أعلى كوبري أكتوبر لتتخلص من هذه الحياة الظالمة التي كان ذنبك الوحيد فيها أنك تنتمي أنت وأسرتك إلى مجتمع البسطاء، ومثل هذه المهن لا يمكن أن تكون إلا لأولاد مجتمع الذوات «بتوع مامي وبابي وأونكل».

قد يطرأ على ذهنك سؤال آخر «طيب يا محمد إيه اللي فكرك بيا بعد كل السنين ديه؟ أنت مش بتقول كنت صغير؟» بالفعل كنت مازلت «بالشورت ألعب أمام المنزل» كما أشرت آنفًا، ولكن ماذكرني بحادثتك التي وقعت في صيف عام 2003، هو صديقي الذي كان من ضمن العشرة الأوائل على مستوى محافظته في الثانوية العامة؛ فأفضى به هذا التفوق إلى قيده كطالب – بناء على رغبته – في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية فتم استبعاده – هو الآخر رغم استحقاقه – من قائمة الأوائل في السنة الأولى لصالح طلاب آخرين، فصديقي هذا إن كان هناك قاسم مشترك بينك وبينه فهو المقدرة الجبارة على العمل الدءوب ناهيك عن الظروف المضنية التي ينوء بها كاهل أي شخص، لذا فعندما بلغ به الغضب أقصاه توجه إلى مكتب العميد لكي يستفسر منه عما حدث، ولكن العميد بأنفته لم يستطع احتواء شاب في عمر أبنائه، بل ربما أحفاده ووصفه – فيما معنى كلامه – بأنه غير محترم وبزغ من كنف بيئة ليست على المستوى الذي يؤهله إلى مخاطبة جلالته وما إلى ذلك من تقريع؛ مما جعل صديقي يرهص بأمر في غاية الخطورة كفيل من أن يجهز على ما تبقى له من أمل في هذه الحياة، وهو أن هذا العميد قد وضعه في رأسه، وينبغي عليه أن يغادر الكلية حتى لا يتم تصيد الأخطاء له أو بمعنى آخر «استقصاده» تمهيدًا للبطش به، فما كان عليه إلا أن ينحي الدراسة جانبًا ويسعى للحصول على أي وظيفة يستطيع من خلالها أن يعيل أخواته وأمه، فمثلما – أنت – قتلت مرتين (روحًا وجسدًا) هو أيضًا قُتل فيه طموحه في أن يكون سفيرًا لمصر في إسبانيا، والمفارقة أن هذه الواقعة حدثت بعد ثورة يناير، التي كان يأمل المشاركون فيها إلى إنصافك وإنصاف كل من تعرض لمظالم في العصر المباركي اللعين من ناحية واجتثاث الفساد الذي ضرب أطنابه في مؤسسات الدولة من ناحية أخرى.

ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، بل الآن في الجامعة التي أدرس فيها ترك الحبل على الغارب للمحسوبيات، والمحسوبيات هنا لا يشترط أن تكون مادية، بل أيضًا هناك محسوبيات معنوية، فعلى سبيل المثال؛ لا يمكن أن يتم معاملة الطلاب «أولاد الذوات» أو الذين لهم ثمة واسطة على قدم المساواة مع الدهماء من الطلاب ، بل الأنكى من ذلك أن في مجتمعنا المحافظ بدأت – أو بالفعل تبدلت – تتبدل المفاهيم أي أن الرذائل باتت تسربل بمسميات تواري حقيقتها المزرية فعلى سبيل المثال؛ تقديم المساعدة عن طريق الواسطة غدت بمثابة أهتمام زائد بصاحب الشأن أو مجاملة لأسرته حتى ولو كان هذا سيؤدي إلى وجود ثمة إجحاف بالطلاب الآخرين عاجلًا أم آجلًا، فترتب على ذلك أن هناك العديد من الطلاب في وقتنا الراهن يلعنون في «سنسفيل» الواسطة إذا كانت لتزكية أقرانهم، ولكن إذا طرقت أبوابهم سرعان ما ينتزعونها، وإذا نغصت ضمائرهم عليهم حياتهم يقومون بإخماد أنينها بعبارة «أنا إلى هغير الكون أو المنظومة يعني» أو بعبارة «أنا اللي هعمل فيها فالح» أو «الدنيا كلها ماشية كده» وما إلى ذلك من عبارات تعتبر بمثابة مسكنات للضمائر، فضلًا عن أن هذا الفعل بات أمرًا شائعًا، بل أضحى في يومنا هذا حيازة الواسطة من الأمور التي من الممكن أن تحسد عليها؛ مما أسفر ذلك عن ضرب القيم الخاصة بأخلاقيات العمل والمثابرة عرض الحائط لكي تصبح الواسطة هي طوق النجاة والملاذ لتحقيق الطموحات والأحلام: مما جعل الكثيرين من أفراد مجتمعنا المحافظ في سبيل الحصول عليها لا يجدون غضاضة في التملق والتزلف لكل ذي سلطان لعلهم يستطيعون أن يظفروا بمآربهم دون الاعتداد بالتداعيات، فهذا الآن ما يحدث في مجتمع سالت دماء خيرة شبابه لكي يتخلص من هذا الفساد ومن هذه القيم الرجعية القميئة التي تورث من جيل إلى جيل، وكأن شيئًا لم يحدث يا عبد الحميد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد