ليست سخرية من وطن نعيش فيه وسنموت فيه وسندفن على ترابه ولكنه نقد لواقع نعيشه فنسخر منه كي لا يسخر هو منا.

لم يعشق هذا الوطن أحد أكثر من الذين فتحوا في كل الأيام صدورهم للرصاص من أجل حريته. من تم نفيهم فاختاروا منفاهم، ومن هم اليوم في قلب السجون ومن رقدوا آمنين في القبور ومن بات الأطباء النفسيون يعجزون عن فك لوغاريتمات عقولهم التي كاد الجنون أن يصيبها إن لم يكن فعلًا قد أصابها بعد أن ضاع الحلم والأمل.

«وكأن، والله غالب، والعدلة ملهاش غير العدلة».

كلمات بسيطه كررها معتز مطر في برنامجه الشهير على قناه الشرق التي تبث من تركيا. صدق معتز مطر في تعبيراته التي كان هو أول من أطلقها، يظن البعض أننا نبالغ بل ونعادي بلدنا حينما نتحدث عن أن دولتنا باتت دولة الكأن، ولكن هناك مشاهد تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أننا حقًّا في دوله الكأن.

بالقطع هذا شي لا يصيبنا بالسعادة ففي كل يوم نتمنى وبصدق أن تخيب كل تنبؤاتنا حول ما يتعرض له الوطن من مستقبل يزداد رعبًا في كل يوم. واسمحوا لي ان استعرض معكم بعضًا منها وليس كلها فالكل صيغة تتناسب مع مجلدات لا آخر لعدد ورقها وهنا لا تتسع المساحة إلا لقليل القليل من المشاهد الصادمة.

وكأن هناك جماهير وكأن هناك رياضة وكأن هناك كره قدم

في كل أنحاء العالم تلعب الكرة وتمارس الرياضة من أجل الجماهير، فما بالك لو تم تصوير الأفلام وعرضها مباشرة على شاشات التلفزيون دون عرضها على شاشات السينما، تفقد بذلك متعتها الرئيسية.

الأمن يمنع الجماهير من دخول المدرجات لأنه يفشل في حمايتهم بل إن تقصيره يؤدي إلى قتلهم وبدلًا من الحديث عن وسائل حديثة لحماية الجماهير يتم إلغاء دخولهم المدرجات بحجج واهيه فالأمن يريد أن يظل مسيطرًا على المشهد رغم ما يحققه كل مره من فشل فمن مذبحة بورسعيد إلى مذبحة الدفاع الجوي خير شاهد على تلك الفشل، هذا ونحن نفترض حسن النوايا أنها ليست مدبرة.

ومدحت شلبي يقوم بتصوير الكافيهات ويجلب الجماهير أثناء لقاءات الأهلي والزمالك وعرض الجماهير وهي تنفعل مع كل فرصة ضائعة وكل هدف تهتز به شباك الخصم وصمت جماهير الفريق المنافس في المقابل في مشهد أقرب للموسيقى التصويرية على الشاشة وكأن هناك جماهير حقيقية تبث الروح في المدرجات فيكذب على نفسه ثم يصدق ما كذب به ويدعي أنه صنع انفرادًا وأعاد الجماهير للمدرجات.

ومرتضى منصور أحضر الحافلات الفخمة لاصطحاب أعضاء الجمعية العمومية لناديه لمشاهده المباريات ليحقق مكسبين الأول: وكأن هناك جماهير، والثاني: مراضاة الجمعية العمومية التي سوف تنتخبه لدورة ثانية.

وكأن الرياضة باتت للأغنياء أما أبناء الفقراء لا مكان لهم حتى في مشاهدة مباريات كرة القدم من مدرجات الدرجة الثالثة.

وعبد العزيز عبد الشافي يخرج ويعتذر على الهواء للمؤسسة العسكرية بعد ما رآه تعرض للإهانة من قبل جماهير الأهلي في هتافهم الشهير «الشعب يريد إعدام المشير»، جماهير الأهلي لم تسئ للجيش المصري العظيم ولكنها طالبت بمحاكمة رأس الدولة حين ذاك (حسين طنطاوي) معتبرينه مسؤولًا ولو سياسيًّا، وهذا قطعًا بافتراض حسن النوايا عما حدث ببورسعيد من مجزرة راح ضحيتها عشرات الشباب من الألتراس، اعتذر من ليس مسؤولا لمن لا يستحق.

وكأن هناك احتياطيًّا نقديًّا وكأن هناك اقتصادًا وكأن هناك حياة طبيعية في مصر

الاحتياطي النقدي كان يبلغ حتى 25 يناير 2011 (36 مليار دولار) وبقدرة قادر ودون معرفة أسباب حقيقية حتى تاريخه تراجع الاحتياطي إلى 24 مليار دولار، الـ12 مليار التي ضاعت في حساب خاص بحسني مبارك منحة من حكام الخليج مضافة للاحتياطي ولكنها باسم مبارك.

عقب الانقلاب العسكري تلقى السيسي ملياري دولار كوديعة من المملكة العربية السعودية ومثلها من الإمارات والكويت أي 6 مليارات وتلقى بعدها ودائع ومنح تقدر بمثل ذلك المبلغ ومع ذلك هل تعلم أن حجم الاحتياطي الآن ورغم ذلك التراجع وصل لـ18 مليار دولار أي أن غضب دول الخليج علينا سوف يخفف حجم الاحتياطي لأقل من الثلث.

احتياطي بالسلف وكأن عندنا احتياطي!

اقتصاد تسيطر المؤسسة العسكرية على 40% من قوامه كان هذا قبل الانقلاب ولا أظن أن هذه النسبة اليوم تقل عن 60%، نستورد كل المنتجات تقريبًا والتصدير في أغلب الأحيان يقتصر على (البطاطس)، والنتيجة أن سعر الدولار يزداد والجنيه يواصل الانهيار بين فجوه الاستيراد والتصدير لنتذيل الأمم في كافة المجالات، السياحه تنهار بأيادي الأمن لتسأل بشكل واضح من قتل السياح المكسيكيين ومن فجر الطائرة الروسية لكي تجف فنادق شرم الشيخ والغردقه من السياح الأجانب وتقتصر على السائح المحلي الذي تدعمه الدولة من خلال شركاتها وخلافه ليزداد الوضع سوءًا في كل لحظه من اللحظات ولا أمل في انفراجة قريبة، ورغم ذلك نعيش ونتعايش وكأن هناك اقتصادًا.

وكأن هناك ديمقراطية وكأن هناك سياسة وكأن هناك أحزابًا

أحزاب كرتونية تسبح بحمد السيسي ومن كان جادًّا منهم هو اليوم في المنفي أو منظور أمره أمام القضاء لحله بدعوى تهديد الأمن القومي لأنه قال لا للاستبداد ولا وألف لا للسيسي وكأن الأحزاب بات مكون بقائها هو التسبيح بحمد السيسي ودولته ونظامه القمعي، تتم الدعوة للانتخابات ويتم تشكيل البرلمان رغم أن أحدًا لم يذهب للصناديق إلا القليل ورغم ذلك يتشكل البرلمان ويقال لنا إن هناك أكثر من 15 مليونًا لم نرَ منهم سوى مليونًا واحدًا في أقصى التقديرات ذهبت لصناديق الاقتراع، ليس كل هذا المهم فقد حققوا هدفهم وهو الموافقه والبصم على كل قوانين الجنرال.

والواقع هنا يقول وكأن هناك حياة ديمقراطية وحزبية تعيشها الدولة المصرية وكأن هناك حياة حزبية وتنافس على من يقدم برامج أفضل للمواطن الكادح والحقيقة والنتيجة النهائية هي أن لا ديمقراطية ولا حياة حزبية في مصر التي يحكمها ويكتم أنفاسها منذ الانقلاب ليس في 3 يوليو 2013 ولكن منذ 23 يوليو 1952 في ظل حكم عسكري مستبد لا يعرف إلا لغه القتل والدم والاستبداد.

لا توجد منظومة اقتصاد ولا احتياطي نقدي حقيقي ولا تعليم ولا صحة ولا سياحة ولا حياة اجتماعية طبيعية ولا أمن ولاحتى كره قدم ولا رياضة ولكننا نعيش في كأن وكان هناك كل شي طبيعي رغم أن لا شيء طبيعي في دولة تعيش على مفردة واحدة من مفردات اللغة العربية (وكأن).

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد