علمونا في الصغر و«العلم في الصغر كالنقش في الحجر» أن «أعمالكم عمالكم، وكما تكونون يولى عليكم»، مؤكدين لنا بأنها وردت على لسان حبيبنا محمد عليه خير الصلاة وأفضل التسليم! ولأن لسانه لم ينطق يومًا عن الهوى؛ «إن هو إلا وحي يوحى»، كان لا بد أن نحفظها ونسلم بها كما هي بلا نقاش ولا أخذ ورد! لكن الصغير كبر، وأصبح مأمورًا بأن يزود عن دينه، كما يزود عن نفسه وعرضه، وأن يمعن عقله في كل شاردة وواردة في أمر دينه ودنياه، ولما بحثنا علمنا بأن تلك المقولة ما كانت لترد يومًا على لسان المصطفى صلى الله عليه وسلم، وما هي إلا حديث كاذب وقول مردود عليه! ولكل من في نفسه شيء من الشك في هذا أن يستنير كما استنار غيره، وأن يبحث في الأمر عند علماء الفقه والحديث كما يشاء، وكما تطيب له نفسه.

إن مقولة «كما تكونون يولى عليكم» هي من الأقوال المأثورة التي لا تصح نسبتها للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد ضعفه غير واحد من أهل العلم المتقدمين، ومنهم «حافظ ابن حجر العسقلاني»، وبالرغم من اتفاق علماء الحديث على عدم صحته كحديث نبوي قولًا واحدا، إلا أنهم اختلفوا في صحة معناه من عدمه، فمنهم من رجح صحته وصدقه، بأن الله لا يولي على الناس إلا بمثل أعمالهم، فإن كانوا عدولًا وأخيارًا ولى عليهم مثلهم، وإن كانوا فجرة ظلمة كانا ولاتهم منهم، وعليهم فجرة ظلمة، أي كما يقال «أعمالكم عمالكم»، ودللوا على ذلك بما رواه «الطبري» عن «الحسن البصري» عندما سمع رجلًا يدعو على «الحجاج» بالموت والهلاك، فنهاه وقال له «لا تفعل إنكم من أنفسكم أوتيتم، إنما نخاف إن عزل الحجاج أو مات أن يتولى عليكم القردة والخنازير»، وما قاله علي بن أبي طالب ذات مرة عندما سأله سائل «لم كثرت الفتن في عهدك، ولم تك كذلك في عهد أبي بكر وعمر؟»  فقال له «كان أبو بكر وعمر أميرين على مثلي، وأنا اليوم أمير على مثلك»، صدق علي كرم الله وجهه وصدق السائل، وقد قال عبد الملك بن مروان أيضًا «والله ما أنصفتمونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر، ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم».

أما فريق العلماء الآخر الذي أكد  بطلان صحة هذا القول، فقد استهجنوا أن يكون عدل الحاكم أو فساده هو حصاد أعمال الرعية! فكم من حاكم عادل صالح ورثه حاكم ظالم فاسد في حين أن الشعب ظل هو الشعب والجيل هو الجيل،  تمامًا كما خلف «المأمون» الذي أثار في المسلمين فتنة خلق القرآن حكم «هارون الرشيد» الخليفة العادل الذي سن في الناس سنته، وقد كان يحج عامًا ويغزو عامًا، والناس هي الناس والشعب هو الشعب، لا بل فهناك من هو أعز قدرًا وأوجه مثلًا: حبيبنا المصطفى خير قدوة وأحسن مثال، الذي أصلح الله به العرب، وقد كانوا من قبله أشر الناس وأجهلهم، وكيف تحولوا من عبدة أصنام وقاطعي رحم، وأعداء متناحرون، إلى خير أمة أخرجت للناس، أتقياء مجاهدون، بعضهم لبعض كالبنيان المرصوص، وهم ذات العرب وذات القبائل، ولا أظن بأن المصطفى عليه أفضل الصلاة قد صلح حاله بصلاح حال رعيته! بل بالتأكيد هو العكس تمامًا.

إن أصحاب هذه المقولة الفاسدة في أكثر جوانبها وإن صدق قليلها! كانوا لا شك ممن أرادوا لهذه الأمة فسادها، وإلا لما تجرؤوا على أن يدسوا في الدين ما ليس فيه! ولا على أن يقولوا رسولنا الكريم ما لم يقل! والهدف من هذا لا شك معلوم ومعروف، ألا وهو لسان حالنا وزماننا الآن من تفشي فساد السلطة الحاكمة وتراجع الحضارة الإسلامية، بل تدهورها، فمن أخطر ما ترمي أليه تلك المقولة هو رضا الشعب أو الرعية باستدامة ظلم وفساد القادة والحكام، فبما أن الأمر برمته هو قدري وأن ظلم الحكام لنا ما هو إلا امتدادا لذنوبنا! إذن فليس للحكام من ذنب ولا خطيئة بما اقترفوا وبما أذاقوا شعوبهم من ذل وفقر، وما علينا إلا طاعة حكامنا على علاتهم وفسادهم وامتثالنا لـ«العبودية الطوعية»، فلا إصلاح إلا لأنفسنا، وليس حكامنا!

إن المتمعن في مقولة «كما تكونون يولى عليكم» لا بد له أن يكتشف قدرًا  كبيرًا من الكذب المدسوس بين ثناياها، فهي تماما كـ«كأس سم في جرة عسل» أو قد تكون «كلمة حق يراد بها باطل»، لا بل يراد بها كل الباطل، لما لعبته من دور كبير في تشكيل الوعي السياسي الخاطئ واستخدامه كذبًا كـ«دعاية دينية تبريرية»، فكلما جاء حاكم جائر فاسد استخدم المبطلون له والمزمرون هذه القول لتبرير حكمه للعامة «فلا تغضبوا منه، ولا تلوموه، ولا تسعوا لخلعه، بل راجعوا أنفسكم وتوبوا عن ضلالكم، فلولا ظلم أنفسكم بأنفسكم لما ولاه الله عليكم فكما تكونون يولى عليكم!» أليس هذا ما يحدث الآن وحدث بالأمس القريب؟

يقال بأن «الناس على دين ملوكهم» و«السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق فيها»، ولذلك فإن الناس في غالبهم على ما يكون عليه وإليهم، إن حسن فعله حسنت أفعالهم والعكس صحيح، وخير ما استدل به من كلام لطيف ما وجد لـ«أبي منصور الثعالبي» المتوفي عام 429هـ، في كتابه «لطائف المعارف» حيث قال فيه «كان يغلب على عبد الملك بن مروان حب الشعر، ولذا كان الناس في أيامه يتناشدون الأشعار ويتدارسون أخبار الشعراء، وكان الأغلب على الوليد بن عبد الملك حب البناء واتخاذ المصانع، فكان الناس في عهده يخوضون في رصف الأبنية ويحرص على التشييد والتأسيس، أما سليمان بن عبد الملك فكان مولعًا بالطعام والنساء، وقد عرف عن الناس في أيامه حبهم بما أحب مولاهم، ولهذا بالغوا في وصف الطعام وألوانه وأصنافه، وتمادوا كثيرًا في حب النساء والحديث عنهن، ويتساءلون عن تزوج الحرائر والاستمتاع بالسراري، وعن خلافة عمر بن عبد العزيز الذي اشتهر بالتقوى وكثرة الصلاة والصوم، فقد عرف أهل عهده بمثل هذا، فقد كان الناس يتلاقون فيسأل المرء أخيه «ماذا عن ليلتك؟ وكم حفظت من القرآن؟ وهل أنت صائم؟» وكان يزيد بن عبد الملك يهوى الخيل ويحبها حبًا جمًا، ولذا كان الناس يتنافسون في شراء أجودها وأحسنها، وأما هشام بن عبد الملك فكان يحب الثياب ونفائس اللباس، فعرف عن الناس في عهده بخوض التجارة وانتشارها، وكان الوليد بن يزيد صاحب لهو وسماع، فكان الناس في عهد يتشاغلون في الملاهي ويقولون في السماع»، أي أن خالص قولي وقول غيري ممن أيد بطلان ذلك القول وعدم صحته، أن فساد الحاكم أو صلاحه، لم يكن يومًا جريرة فساد شعبه أو صلحهم، وأن القول السديد هو ليس «كما تكونون يولى عليكم»، بل «كما يولى عليكم تكونون».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد