صوفية أشعار شهاب الدين السهروردي المقتول

حين نسمع عن شعراء الصوفية؛ يتبادر للذهن ابن الفارض، وأحيانًا الحلاج وابن عربي، ونغفل عن مدرسة شعرية كاملة لها سماتها الفنية وخصائصها الأسلوبية وصفاتها المعنوية، تقوم على العديد من الشعراء الذين أرسوا دعائمها وشيدّوا بناءَها.

التصوف لفظة مشتقة من الصفو والصفاء؛ لأنها تأتي من تزكية النفس وتطهيرها، وفي اليونانية تأتي سوفيا بمعنى الحكمة، واصطلاحًا تُطلق على التجربة الوجدانية الروحية في محبة الله والفناء فيه وفي الحضرة الإلهية.

وقد تطورت الصوفية من الزهد الإسلامي بالاعتكاف في المساجد والورع وحياة التقشف وعدم الاكتراث لشؤون الحياة البالية، فتعدت للتصوف السني بالتوافق بين الباطن والظاهر والشريعة والنفس وتنفيذ القرآن والسنة، ومن أشهر أعلام هذه المرحلة الحسن البصري والغزالي، ثم انتقلت الصوفية لمرحلة التصوف الفلسفي نتيجة الاحتكاك الثقافي بين الحضارات واليونانيين في العصر العباسي.

وبالمثل تطور الأدب والشعر الصوفي من الحكمة والزهد إلى الفلسفة، متميزًا عن سائر المدارس الشعرية بالغموض والإبهام واحتمال التفسيرات المتعددة التي يفهمها الصوفيّ دون العامة، وقد تحمل ظاهرًا يختلف عن تفسيرها الباطني؛ ما أدّى إلى محاكمة وقتل الحلاج.

أما عن شهاب الدين السهروردي الذي كان من فقهاء عصره وكان هذا نذيرًا بهلاكه، فلم تكن عقيدته مواتية لفقهاء السلطان، وحُكِمَ بفساد عقيدته، وسُئل سؤالًا قاتلًا في مناظرة للفقهاء، فسألوه: هل يقدر الله أن يخلق نبيًا آخر بعد محمد؟ فإن أجاب: لا، أو نعم؛ فسيكون كفرًا، وأجاب إجابة ذكية بأن الله لا حد لقدرته، واعتبروها كفرًا، وأمر صلاح الدين بقتله.
وقيل إنه حين علم بمقتله أشفق على قاتله من ذنب القتل، واختلى في غرفة دون طعام أو شراب حتى مات.

شعره

أَبداً تَحنُّ إِلَيكُمُ الأَرواحُ وَوِصالُكُم رَيحانُها وَالراحُ

وَقُلوبُ أَهلِ وِدادكم تَشتاقُكُم وَإِلى لَذيذ لقائكم تَرتاحُ

وَا رَحمةً للعاشِقينَ تَكلّفوا ستر المَحبّةِ وَالهَوى فَضّاحُ

بِالسرِّ إِن باحوا تُباحُ دِماؤُهم وَكَذا دِماءُ العاشِقينَ تُباحُ

وَإِذا هُم كَتَموا تَحَدّث عَنهُم عِندَ الوشاةِ المَدمعُ السَفّاحُ

خَفضَ الجَناح لَكُم وَلَيسَ عَلَيكُم لِلصَبّ في خَفضِ الجَناح جُناحُ

لا ذَنبَ لِلعُشّاقِ إِن غَلَبَ الهَوى كِتمانَهُم فَنما الغَرامُ فَباحوا

لعل هذه الأبيات أشهر ما أنشده السهروردي، وفيها يمتزج الوجدان ويسرح في الحب السامي لدى الصوفيين وهو حب الله والعشق الإلهي وذوبان الروح في الجسد، وهو يستحضر المعاني الصوفية الروحية الباطنة، فلو نرنا للقصيدة لأول وهلة نظنها لحبيبٍ حسيّ، لكن حين نتأملها نجدها للحبيب الأكبر، وهذا من أسس المدرسة الصوفية.

ويمثل معاني الحب الأنوار ويقسمها إلى نور ماديّ عارض ويُكتَشَف بالعقل والحس، مثل نور الشمس والنجوم وهو ما نطلق عليه الضوء وهو تجسيدٌ للنور، ونور حسي محض لا يشار إليه بإشارة ملموسة صريحة ولا يكون متجهًا لجهة، بل هو محيط كامل من النور المعنوي، وهذا لا نعبر عنه بالضوء لأن الضوء ماديّ والنور معنوي.

لِأَنوارِ نورِ اللَه في القَلب أَنوارُ وَللسرّ في سرّ المُحبّين إسرارُ

وَلمّا حَضَرنا للشّرابِ بِمجلسٍ وَخفّ مِن عالم الغَيب أَسرارُ

وَدارَت عَلَينا لِلمَعارف قَهوةٌ يَطوفُ بِها مِن جَوهرِ العَقلِ خمارُ

فَلَمّا شَرِبناها بإِقراه فمها أَضاءَ لَنا مِنها شُموس وَأَقمارُ

وَخاطبا في سكرِنا عِندَ نَحونا قَديمٌ عَليمٌ دائمُ العَفوِ جَبّارُ

وَكاشَفنا حَتّى رَأَيناهُ جَهرَةً بِأَبصار صِدقٍ لا تُواريهِ أَستارُ

سَجَدنا سُجوداً حينَ قالَ تَمَتّعوا بِرُؤيَتنا إِنّي أَنا لَكُم جارُ

فغِبْنَا به عنَّا ونِلنَا مُرادَنا ولم تبقَ فينا بعد ذلك آثار

السر: السبب المعنى العميق الخفي.

في سر: في قلب المحب.

إسرار: إخبار خفي.

القهوة : اسم من أسماء الخمر تقلي شاربها عن الطعام والشراب ليذهب عن شهوته ويرمز الصوفيون بالخمر إلى شراب المحبة الإلهية كقول ابن الفارض:

شَرِبْنا على ذِكْرِ الحبيبِ مُدامةً سَكِرْنا بها من قبل أن يُخلق الكَرْمُ؛ فيقول عنها – خشية أن يساء الظن فيها بالخمر المنهي عنها في الإسلام – إن السُكر من قبل أن يُصنَع العنب الذي هو أساس الخمر المسكر الشهوائي المنهي عنه.

الفناء الصوفي فناء الذات والبقاء في الله، ويذكر في البيت الأخير أن سطوع النور الإلهي على النفس غَيَّبَها، ولم تبقَ آثار من المادة والجسم والهيكل الخارجي، واختفى الوجود الذاتي لصالح الوجود العام بذوبان النفس في روح الله، مستحضِرًا شكل الغنوصية والخلاص من الماديات والانغراس في الروحانيات.

أما عن فلسفته الشعرية، فقد عارض عينية الشيخ الرئيس ابن سينا في النفس التي مطلعها:

هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ المَحَلِّ الأَرْفَعِ وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَزُّزٍ وَتَمَنُّـــعِ

مَحْجُوبَةٌ عَنْ كُلِّ مُقْلَةِ عَارِفٍ وَهْيَ الَّتِي سَفَرَتْ وَلَمْ تَتَبَرْقَـعِ

أَنِفَتْ وَمَا أَلِفَتْ فَلَمَّا وَاصَلَتْ أَنِسَتْ مُجَاوَرَةَ الخَرَابِ البَلْقَـعِ

وَأَظُنُّهَا نَسِيَتْ عُهُودًا بِالحِمَى وَمَنَازِلًا بِفِرَاقِهَا لَمْ تَقْنـــَعِ

يتحدث فيه عن النفس البشرية التي هبطت من المكانة العالية السامية إلى الجسد المادي كالحمامة الورقاء العزيزة التي تحمل الجوهرة المكنونة، وهي النفس العاقلة التي حُجِبَت عن الإنسان ذي الجسد والحواس الخمس فهو غير قادر على إدراكها وفهمها أو حتى التثبت منها؛ لأنها من عالم غير العالم الذي هو فيه.

وينتقل للحديث عن كنهها، فقد أتت من هذا العالم آنفةً غير راضية ولا مقتنعة بهذا الهبوط ولم تألف هذا العالم المادي، لكن حين ظلَّت في الجسد رضت بحالها واستأنست به حتى نسيَتْ أصولها وانغرست في الجسد وثقلت عن الخروج منه.

وقد تناولها السهروردي بعرض آخر وفلسفة أخرى مُختلِفًا مع ابن سينا، فقال:

خَلَعَتْ هياكِلَها بجَرعاءِ الحِمَى وَصَبَتْ لمعناها القديمِ تشوُّقا

وتلفتت نحو الديار فشاقها ربعٌ عَفَتْ أطلالُه، فتمزَّقا

وغدت تردد في الفضاء حنينها فيروح مرتفعًا زلوق المرتقَى

وقفت تسائله، فردَّ جوابَها رجعُ الصدى أن لاسبيلَ إلى اللقا

فإذا بها بَرقٌ تألق بالحِمَى ثم انطفى، فكأنه ما أبرقا

الجرعاء: الأرض القاحلة الرملية الخالية من الزرع.

فأشار أن النفس الطاهرة قد خلعت نفسها من الجسد المادي وأمور الحياة الفانية وخلقت لها نوافذَ لتظهر منها وتخرج، وهي الحال الصوفية النفسية التي تتخلص النفس من الظاهر وتخلع الشكل الخارجي حنينًا لمعناها الخالد الصافي، فخرجت عن حجبها الذي ذكره ابن سينا، وحين أبصرت الديار التي أتت منها في العالم المعنوي لم تستطع الفكاك من الجسد مطلقًا للعودة وانزلقت رجوعًا لحاويها الجسدي، فكانت مثل سنا البرق لاح وانطفأ خطفًا في لحظة من لحظات الشرود النفسي والانصراف عن العالم إلى العالم النفسي.

وقد أيّد هذا السهروردي حين سئلَ أن يغير ثيابه فرفض معللًا أنها ستتسخ وأن له شغل أهم من تنظيف الثياب، ما يدل على طغيان تصوفه وعلو همته في التصوف حتى عن الشيخ الرئيس ابن سينا، وعلى فلسفته الاستشراقية النورانية المأخوذة من صوفيته.

وأنشد قبل تنفيذ حكم الإعدام قوله:

قل لأصحابٍ رأوني ميتّا فبكوني إذا رأوني حزنا

لا تظنوني بأنّي ميت ليس ذا الميت والله أنا

أنا عصفورٌ وهذا قفصي طرت منه فتخلى رهنا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد