تمثل عاشوراء ملحمة خالدة سطرها التاريخ ـ ولم يزل ـ إلى يوم الدين، نستوحي منها معاني العزة والكرامة والإباء والصمود لأهل الحق في وجه الباطل والطغيان، وأن الدلالة الواضحة لذلك الخلود أن هلاك الطغاة ليس حدثًا عاديًّا عابرًا يمحى من الذاكرة بمرور الأيام والسنين، إنما هو يومٌ خالدٌ معظَّمٌ يعيش في ذاكرة الأمة ولا يُنسى، وهذا معنى قول الله تعالى: في ختام الحديث عن مصرع قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وغيرهم، كما في سورة الشعراء: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ}، وفي سورة القمر: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}.

نحن أولى بموسى

روى البخاري وغيره أنه حين قدم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة رأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا ؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال صلى الله عليه وسلم: “فأنا أحق بموسى منكم”، وفي رواية مسلم: “نحن أولى بموسى منكم”، فصامه وأمر بصيامه.

 

 
لقد كان يوم عاشوراء ملهمًا لليهود والنصارى على السواء، معظَّما عندهم، فجعلوه يوم عيدٍ، تخليدًا لذكرى نجاة موسى عليه السلام وهلاك فرعون، وجعلوا من مظاهر تعظيمهم له: الصيام، وروى مسلم أن أهل خيبر كانوا يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدا، ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم. وقد تأثر بهم في ذلك من جاورهم من العرب أو بقي منهم على دين إبراهيم عليه السلام، فقد روى البخاري أن يوم عاشوراء كانت تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه.
وإذا كانت أمة الإسلام آخر الأمم وخيرها، فإنه حريٌّ بها أن تتمسك بتلك المبادئ العليا التي رفعها السابقون من الأنبياء والمرسلين وماتوا من أجلها، بل هي أولى من كل من يدعى الصلة بهم، بل أفضل وأميز.

فقد روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: “يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى”، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع” فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم، وذلك بعد أن سنَّ سنته وبيَّن نهجه.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الاحتفاء بذلك اليوم، فكان صيام يوم عاشوراء فرضًا، فلما فرض رمضان أصبح سنة مؤكدة لها الفضل العظيم، فقال صلى الله عليه وسلم: “صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله”.
لقد كان اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بيوم عاشوراء كبيرًا والاحتفاء به مهيبًا، وذلك لما وقع في ذلك اليوم من ذكرى تعد ملحمة ملهمة لأصحاب الدعوات على مر السنين، إنها ذكرى نجاة موسى وانتصار الحق وغرق فرعون وهلاك الطاغوت، لذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم ألاَّ تمر هذه الذكرى على أذهان المسلمين دون تدبُّر وفهم، ولو مرة في كل عام.

موسى وفرعون: ملحمة الحق

لقد قصَّ الله علينا في كتابه الخالد فصولاً كثيرة من الصراع بين الحق والباطل، وأعظمها قصص مصارع الظالمين، ومن هذه القصص العظيمة: قصة موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ مع فرعون، وهي أكثر القَصص القرآني تكراراً: فقد وردت في أكثر من ثلاثين موضعا في القرآن كله: مكيِّه ومدنيِّه.

 

 
ولقد وردت حلقات الصراع بين موسى عليه السلام وفرعون لعنه الله في مواضع شتى من القرآن، وتبدأ منذ أرسله الله إلى فرعون رسولًا، غير أن فرعون عاند وكابر: {فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 21- 24]، فلما جاءه بالآيات القاطعات والسلطان المبين: {فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا} [الإسراء: 101].

 

 
وأخذ فرعون في إيذاء موسى ومن معه من المؤمنين، وفي أثناء ذلك كان موسى عليه السلام يقوم بدوره في توجيه المؤمنين وحثهم على الصبر في سبيل عقيدتهم وإيمانهم، وكانوا كلما اشتكوا إليه قال لهم: {اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128]، إن الأمل لا ينبغي أبدًا أن يموت في قلوبنا، فمهما مرَّ على المؤمنين من أزمات فإنهم يخرجون منها بفضل الله وقوته، قال تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.

 

 
وكان كلما ازدادت شكوى بني إسرائيل وعظم تبرمهم يمضي النبي الكريم على نهجه، يذكرهم بالله، ويعلق رجاءهم به، ويلوح لهم بالأمل في هلاك عدوهم، واستخلافهم في الأرض، مع التحذير من فتنة الاستخلاف: {قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129].

إنه ينظر بقلب النبي فيرى سنة الله، تجري وفق وعده للصابرين وللجاحدين! ويرى من خلال سنة الله هلاك الطاغوت وأهله، واستخلاف الصابرين المستعينين بالله وحده. فيدفع قومه دفعاً إلى الطريق لتجري بهم سنة الله إلى ما يريد. ولما تمادى فرعون في طغيانه وإيذائه لموسى ومن معه، أوحى الله إلى موسى أن يخرج بالمسلمين من أرض مصر ليلاً، فخرجوا قاصدين بلاد الشام {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} [الشعراء: 52]. فلما علم فرعون بخروجهم أعلن حالة الاستنفار العام والتعبئة العامة في الدولة، وأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له الجنود، ليدرك موسى وقومه ويفسد عليهم تدبيرهم وهو لا يعلم أنه تدبير صاحب التدبير!

وانطلق عملاء فرعون يجمعون الجند، وأعلن فرعون أن السبب هو ثلاث قضايا تتعلق بموسى ومن تبعه من المؤمنين:
الأولى: {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} [الشعراء: 54], والثانية: {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} [الشعراء: 55], والثالثة: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} [الشعراء: 56].

والغريب أن فرعون كان يفضح نفسه بنفسه أمام الناس فتارة يقول: {إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ}، فئة قليلة العدد والأهمية. ومرة يقول: {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} أي: هم مع قلتهم فهم مصدر قلق وغيظ لنا، حسنًا!! إذا كانوا شرذمة وقلة فلم كل هذه الضجة حولهم والبطش بهم!

 

 
إن هذا يبين لنا أن أنصار الحق على قلتهم هم مصدر رعب وقلق لأنصار الشيطان على كثرتهم؛ لذلك فلن يهدأ لهم بال مع وجودهم بينهم، ولا يستريح لهم ضمير ما داموا فيهم، وهي آية كبرى من آيات الله في الحق والباطل ستبقى ببقاء السنين. وإنها حيرة الباطل المتجبر دائما في مواجهة أصحاب العقيدة المؤمنين!

 

 

 
فلما تم لفرعون ما أراد خرج وجنوده بكل صلف وكبرياء يتتبعون أثرهم، حتى أدركوهم عند البحر الأحمر، وقد اقترب المشهد من نهايته، والمعركة تصل إلى ذروتها، وقالت دلائل الحال كلها: أن لا مفر والبحر أمامهم والعدو خلفهم: {قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61]، وبلغ الكرب مداه، وإن هي إلا دقائق تمر ثم يهجم الموت ولا مناص ولا معين!

فأجابهم موسى بلسان المؤمن الواثق بأن الله معه ولن يضيعه، وقال لهم بكل طمأنينة وثبات: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62]، مع أنه إلى تلك اللحظة موسى عليه السلام لا يعلم شيئًا عن كيفية نجاته ومن معه من المؤمنين، ولكن موسى الذي تلقى الوحي من ربه، لا يشك لحظة وملء قلبه الثقة بربه، واليقين بعونه أن لحظة النصر لا بد كائنة، والله هو الذي يوجهه ويرعاه.

وفعلا فقد صدر الأمر الإلهي العظيم بالإنقاذ: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63]. وعبر بنو إسرائيل البحر مذهولين من قدرة الله تعالى ونصره لهم، ولما جاوزوا البحر وخرج آخرهم منه كان ذلك عند قدوم أول جيش فرعون:{فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ} [طه: 78]، وكان فرعون قد خرج في جحفل عظيم وجمع كبير، وهو عبارة عن مملكة الديار المصرية في زمانه: أولي الحل والعقد والدول من الأمراء والوزراء والكبراء والرؤساء والجنود، وخرج بجيشه على مقدمته هامان في ألف ألف وستمائة ألف فارس، منها مائة ألف على خيل دُهْم.

فلما دخل آخر قوم فرعون، وجاز آخر قوم موسى، أطبق البحر على فرعون وقومه، فأغرقوا:{فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} [طه: 78- 79]، وهلك قوم فرعون وأغرقوا معه بسبب أنهم أطاعوه فيما يغضب الله، فاستخف بهم وتسلط عليهم لفسقهم ورغبتهم في الفجور، حتى غضب الله عليهم، فانتقم منهم ومن فرعونهم، {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ} [الزخرف: 54- 56]. وقد نجى الله بدن فرعون فقط، ليعتبر من أراد الاعتبار، {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} [يونس: 92].

 

 

 
من هنا كان يوم عاشوراء يومًا صالحًا؛ فيه رُفع الظلم، وفيه نُصر الإيمان، وفيه ظهرت قدرة رب العالمين، لذلك كانت حفاوة النبي صلى الله عليه وسلم به كبيرة، فجعل صيامه من كل عام تخليدًا لهذه الذكرى؛ لتكون نورًا يحمل الكثير من الدلائل التربوية للأمة في مسيرتها الحضارية، والتي منها:

– أن الظالمين لا بد لهم من رحيل، وأنه مهما طالت فترات حكمهم وطغيانهم فإنهم إلى زوال. وما أروع ما قاله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: “إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ”، ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102].

– الفرح بموسى ومن معه، وهو رمز عالمي للحق، فهو نبي من أولي العزم من الرسل، ومن معه الذين تحملوا قسوة الطغيان وتمسكوا بمواريث الوحي واجتمعوا على الحق وناصروه.

 

 
كما أنه فرح بهلاك الطغيان، ويكاد يكون نصا في الدعوة إلى الفرح بنجاة المؤمنين ونجاة الفكرة الإصلاحية في كل بيئة في أي عصر، ناطق بما سبق أن نطق به الكتاب العزيز عندما قال رب العزة سبحانه: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 45].

– إن ذلك إعلان صريح بهلاك واحد من رموز الطغيان العالمية، وانكسار جيشه وفنائه التام بغير تدخل بشري، وفى ذلك انتصار ساحق لقيم الأمل التي يجب أن تملأ قلوب المعاصرين المقهورين المغدورين المظلومين. فالله هنا منتصر للحق ومنتصر لأهل الإيمان.

– أن الاحتفاء بعاشوراء كل سنة كفيل بأن ينعش الأمل في نفس كل مسلم أن الله تعالى لا يتخلى عن عباده ولا يتركهم لقمة سائغة للطغاة والفراعين، إنما لا بد من يوم – قد يراه البعض بعيدًا وما هو ببعيد – يفرح فيه المؤمنون بنصر الله، ويروا بأنفسهم زهوق الباطل واندحاره، وأنه ما كان في يوم من الأيام سوى زبد قد ذهب جفاء، وأن الله كما أهلك فرعون في الغابر سيهلك كل فرعون مثله وفي كل وقت، وكما نجى الله داعيته موسى عليه السلام ومن آمن معه سينجي كل مؤمن {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 88]، {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47].

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دين, عاشوراء, موسى

المصادر

- الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 2000م.
- ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع
- سيد قطب: في ظلال القرآن، الناشر: دار الشروق - بيروت- القاهرة، الطبعة: السابعة عشر - 1412 هـ.
- د/ خالد فهمي: في ذكرى عاشوراء .. قراءة للدلالات الحضارية الغائبة.
- د/ عطية فياض: عاشوراء .. يوم التفاؤل بسقوط الطغاة.
- الطبري: تاريخ الرسل والملوك، الناشر: دار التراث – بيروت، الطبعة: الثانية - 1387 هـ.
- ابن كثير: البداية والنهاية، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة: الأولى، 1418 هـ - 1997م.
- علي الصلابي: الدولة الأموية.. عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار، الناشر: مؤسسة اقرأ – مصر، الطبعة الأولى: 1426هـ - 2005م.
عرض التعليقات
تحميل المزيد