ما إن تطل رأس السنة الهجرية من كل عام، ويبدأ المسلمون بالتحضير للاحتفال بهجرة نبيهم محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، والتي أسس بها دعائم الحق، وركائز الإيمان، حتى تشرق شمس العاشر من محرم، شمس يوم عاشوراء، اليوم الذي يحظى بمكانة خاصة ومهمة لدى المسلمين قاطبة، رغم اختلاف انتماءاتهم، ومللهم، وطوائفهم، سواءً كانوا سنة أم شيعة، هو اليوم الذي قال عنه النبي عندما قدم إلى المدينة، ورأى اليهود يصومونه: «نحن أحق وأولى بموسى منكم».

فصامه وأمرنا بصومه لقوله: «صوم يوم عاشوراء احتسب على الله أن يكفر سنة ماضية».

وهنا يخبرنا النبي بعظمة هذا اليوم الذي نجى به الله -عز وجل- نبيه موسى -عليه السلام- وقومه يوم التقى الجمعان، وأغرق فرعون ومن معه؛ فصامه موسى شكرًا لله؛ في عاشوراء لا يقتصر المسلمون على الصيام، والصلاة، والاستغفار، وقراءة القرآن، فيعدون أطباق الحلوى، ويجهزونها ويقدمونها للأهل وللأصدقاء في أجواء تسودها المحبة، والألفة؛ احتفالًا بنجاة سيدنا موسى وقومه من فرعون ومن معه.

ولكن يا لمرارة الصدفة وسوئها، كيف لهذا أن يجتمع في يوم واحد أن يكون اليوم الذي نجى الله النبي موسى – عليه السلام- من فرعون هو يوم مقتل الحسين -رضي الله عنه- حفيد الرسول -صلى الله عليه وسلم- يا لسوداوية المشهد، ويا لفرحة أصبحت تتسم بالحزن والألم، كيف لنا نحن المسلمين أن نملك الاتزان في المشاعر؟ كيف لنا أن نفرح وأن نحزن بالوقت نفسه؟ وهل من الحزن جدوى؟ ولماذا نحمل ذلك الإرث الثقيل الذي لم تقترفه أيدينا يومًا ما؟

بينما هناك من يفرح ويأكل الحلوى، كان هناك من يبكي، ويندب، ويحزن، ويتشح بالسواد، ويأخذ منه لباسًا؛ كانوا يقيمون مجالس للعزاء، ويلزمون الحسينيات، ويحجون إلى كربلاء، حيث هناك قتل الحسين -رضي الله عنه- وكانوا لا يكتفون بذلك؛ فقد تكتسي شوارعهم بالدماء نتيجة لجلد الذات وضرب أنفسهم بجنازير من حديد، يجلدون بها أنفسهم حزنًا على الحسين -رضي الله عنه- وندمًا ربما لعدم نصرتهم له وتخليهم عنه في موقعة كربلاء، مشاهد الدماء تتوعد بثأر يكنوه في أنفسهم ولكن ممن؟ ربما من أولئك الذين يقفون على الضفة الأخرى ويصنفون بالنسبة لهم بأنهم أتباع يزيد قاتل الحسين حفيد النبي -صلى الله عليه وسلم-.

يعد الاحتفال بيوم عاشوراء، وإبداء ملامح الفرح والبهجة والسرور على الأنفس، وتناول الحلوى، خيانة وشماتة وبابًا من التشفي من الحسين -رضي الله عنه- وفرحًا بمقتله بالنسبة للمعسكر الآخر، الذي يرى أن هذا اليوم هو يوم للحزن، ولا يمكن الفرح به، ولو أنه يوم نجاة موسى من فرعون؛ فلا بد من إظهار كافة ملامح الحزن والألم على النفس، رغم أن النجاة سبقت القتل، ورغم أن الفرح تقدم على الحزن والألم والفاجعة، كيف لنا أن نبني ذلك السلام الداخلي والأمن بين أنفس المعسكرين؟

كيف لتلك المدينة الفاضلة أن تعيش حزنًا وفرحًا في آن واحد؟ وتكتسي شوارعها بالدماء، وتتشح بالسواد وبالاحتفالات أيضًا في اللحظة نفسها؟ كيف لنا أن نحفظ أولئك الأطفال في تلك المدينة التي تتنوع بطوائفها، ويجلس السنة والشيعة بعضهم بجانب بعض من رؤية تلك الدماء وتلك الأفعال المريبة التي يفعلونها للتعبير عن حزنهم وغضبهم عن تلك الفاجعة التي ألمت بالمسلمين في تلك الفترة، وليس بهم كما يدعون وعن ثأرهم ضد بني أمية وضد يزيد وأتباعه عن قتلة وهميين يقتلون أتباعهم، والثأر منهم في أراضٍ قتلوا منها ما قتلوا، وشردوا ما شردوا، وعاثوا بها فسادًا؛ لماذا لا يعودون إلى التاريخ ليعلموا أن من قتل الحسين هم من خانوا أباه علي -رضي الله عنه- في موقعة صفين، وهم شمر بن ذي الجوشن، وسنان بن أنس النخعي، وعبيد الله بن زياد.

تكثر الأسئلة والاستفهامات لتبحث عن إجابة لصدفة مؤلمة جمعت الفرح والسرور، والحزن والألم لحادثتين وقعتا في اليوم نفسه، كيف للحزن وللفرح أن يسكنا في نفس الإنسان في آن واحد؟ وهل التخلي عن أحدهما جريمة بالنسبة للأخرى؟ ربما يعتقد الكثير ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد