ما إن جرى الكشف عن جريمة اختطاف الطفل عدنان واغتصابه وقتله، حتى هبت مشاعر الغضب والغل تجاه مرتكب الجريمة الشنعاء في حق الطفولة والبراءة، ووسط هذا الكم الهائل من مطالبة المغاربة بقتل الجاني وإعدامه بأبشع الطرق حتى تتحقق العدالة ولو نسبيًّا، فقتل الجاني لن يعيد عدنان إلى الحياة ولن يعيده إلى حضن والديه، ولكن على الأقل من وجهة نظر المغاربة فالإعدام هو العقوبة الوحيدة التي يستحقها المجرم، فإذا به يقفز الكاتب المثير للجدل ليعلق في تدوينة له على وسائل التواصل الاجتماعي يقول فيها إن المطالبين بالإعدام ليسوا أقل وحشية من قاتل عدنان!

لينهال عليه كم هائل من الانتقادات والشتائم من كل الجهات، بل طالب أحد القياديين المنتمين الى حزب معروف بإعدام «عصيد».

لكن حصة الأسد من الانتقادات جاءت من خصوم عصيد التقليديين رجال الدين والداعين إلى تطبيق الشريعة، فما خلفية هذا النقد الحاد الموجه ضد عصيد المثار حول عقوبة الإعدام؟

لكن قبل الجواب عن هذا السؤال علينا الحديث عن سياق عقوبة الإعدام في تاريخ البشرية وعن سياقها الإسلامي والقانوني في المغرب.

الإنسان كائن اجتماعي، ينصهر داخل جماعة، يمارس أنشطته وهو داخل جماعة ما، فالإنسان هو المخلوق الوحيد الذي بإمكانه الانضمام إلى جماعة كبيرة والتواصل مع أفرادها ومشاركتهم مختلف تشعبات الحياة، وهذه الميزة هي التي مكنت الإنسان من أن يعتلي سلم الحياة ويتفوق على كل المخلوقات التي يشاركها الغرائز نفسها (الطعام والشراب والجنس)، لكن وجود الإنسان داخل الجماعة يفرض عليه التزامات وواجبات تجاه هذه الجماعة أو بعض أفرادها، والإخلال بهذه الالتزامات يستوجب العقوبة، فالبشرية ابتكرت العقاب لردع كل مخالف للجماعة ولكل مخل بنظام توافقت عليه هذه الجماعة.

عقوبة الإعدام عبر التاريخ

ومن بين هذه القوانين هي القتل أي الإعدام إذا فعل الجاني جرمًا يتوجب إزهاق روحه، ولقد ظهر الإعدام في أقدم قانون مسجل في التاريخ وهو قانون الملك البابلي حمورابي في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وقد ذكرت عقوبة الإعدام في 31 موضعًا في ذلك القانون (1) وتضمنت تلك المواد عقوبة الإعدام في بعض الجرائم مثل القتل، وممارسة السحر، والاعتداء على مال الغير، وأيضًا يحكم بالإعدام على كل من قاطع الطريق وسلب الناس أموالهم وأملاكم حسب قانون حمورابي.

أما في حضارة آشور التي قامت في شمال بلاد ما بين النهرين وتوسعت في الألفية الثالثة قبل الميلاد(2)، فقد عرفت هي كذلك عقوبة الإعدام على كل من يمارس القتل او يمارس الزنا.

أما عند الفراعنة فكان يمارس الإعدام بوحشية ضد كل ما يمارس قتل الحيوانات المقدسة ويدبر المؤامرات ضد الفرعون (3)، أو يقوم بجرائم الخطف وشهادة الزور.

وعند الإغريق الذين كان عندهم أن القانون الطبيعي هو مصدر العدالة بحيث كانت أشهر القوانين عندهم هي قوانين صولون (524ق.م) ثم دراكون (624ق.م)، فقد مارس الإغريق عقوبة الإعدام ضد كل قاتل الأصول، وأيضا من يتهم بالإلحاد ويسفه الآلهة(4).

وأيضًا عاقب الإغريق الخونة والسحرة والنساء سيئات السلوك، وكانت الوسائل المتبعة لتنفيذ الإعدام هي الخنق وقطع الرأس والتسميم، كما حدث مع الفيلسوف سقراط (5).

أما عند الرومان حيث يعد القانون الروماني مصدر جل القوانين الوضعية اليوم، فقد اشتهروا بقانون الألواح الاثني عشر وكان ذلك القانون عبارة عن مجموعة قانونية واحدة يسيرون وفقها (6) وكان القانون الروماني يمارس بشكل طبقي، فإذا كان الجاني ينتمي إلى الطبقات العليا فإنه ينفى أو يغرب، أما إذا كان من الطبقات المتوسطة أو الدنيا فإنه يقطع عنه أو يصلب (7)، كما حدث مع السيد المسيح حين صلب لإخلاله بالقانون (حسب معتقد المسيحيين) وقد اشتهر الرومان بالصلب إذ كان الجاني يعلق فوق خشبتين ويسند بمسامير ويظل معلقًا إلى أن ينزف للأخير ويموت.

ومن الجرائم التي عاقب عليها الرومان جريمة السحر، الإيذاء أو القتل وهناك جرائم خاصة، إذ يمارس الزوج الإعدام على زوجته الزانية.

وقد عرفت العديد من الحضارات الشرقية القديمة عقوبة الإعدام كالسومرية، والأكادية، والهندية.

إذن فهي عقوبة طبيعية سنها البشر منذ اجتماعهم واتفقت أغلب القوانين التي ذكرناها على أن عقوبة القاتل هي القتل، وكأنه تصرف طبيعي فمن يسرق حياة أحدهم لا يستحق العيش.

أما الأديان التوحيدية فقد اتفقت اليهودية والإسلام في إقرار عقوبة «القصاص»؛ أي القتل لكل من قتل نفسًا، وقد حددت الشرائع، أي اليهودية والإسلام، مسوغات تنفيذ القصاص، أما المسيحية وإن صمتت، فإنه فهم من كلام المسيح كونه متممًا لما قبله، فهو إقرار بالشريعة اليهودية.

ولقد استمرت عقوبة الإعدام في العصور الوسطى رغم وجود الديانة المسيحية التي تدعو إلى التسامح وأن الغاية من العقوبة هي تطهير نفس الجاني من الخطيئة، وصولًا إلى الدول الحديثة حيث مورس الإعدام في ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي والصين الشعبية بشكل جماعي ومروع، وربما بغير حق في كثير من الأحيان.

مطالب إلغاء عقوبة الإعدام

وبدأت مؤخرًا دعوات تطالب بإلغاء عقوبة الإعدام، ويرجح أن هذه الدعوات بدأت في فرنسا منذ 1757م في فرنسا حيث خلفت الطريقة التي أعدم بها شخص حاول اغتيال لويس الخامس عشر موجة غضب وتنديد عارمة(8)، وكذلك سعت عدة جهات حقوقية وطنية ودولية إلى إلغاء عقوبة الإعدام منها الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تبنت وجهة نظر رافضة لحكم الإعدام وسعت إلى مواجهته، ومنظمة العفو الدولية التي ترصد عقوبة الإعدام في كثير من الدول وتعمل على مساءلة الحكومات التي تواصل استخدام عقوبة الإعدام التي تعتبرها هذه المنظمة عقوبة قاسية وغير إنسانية ومهينة (9)، وكذلك يسعى كثير من الحقوقيين والمناضلين الى الدعوة لإلغاء عقوبة الإعدام في بلدانهم، ويرى أصحاب هذا الرأي أن الحياة شيء مقدس لا يمكن سلبه بأي وجه حق ويبررون ذلك أيضًا بإمكانية وقوع الغلط القضائي الذي هو وارد جدًّا وأن إعدام الجاني لا يترك فرصة للتصحيح.

ومع هذه الدعوات المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام فإن الدول ما تزال تمارس فيها العقوبة ومنها ديمقراطيات عريقة كالولايات المتحدة، وبلغ عدد الدول التي ألغت عقوبة الإعدام في قانونها أو لا تطبقها في الواقع الفعلي 142 دولة، أي ما يزيد على ثلثي دول العالم (10).

وضع عقوبة الإعدام بالمغرب

أما في المغرب فهو من ضمن 36 دولة أبقت على عقوبة الإعدام مع وقف التنفيذ، وتعد عقوبة الإعدام عقوبة جنائية منذ 1962، ويتضمن القانون الجنائي المغربي 36 مادة تنص على عقوبة الإعدام، والجرائم التي يجري بموجبها الحكم به: الحرق العمد، الخطف، تهديد أمن الدولة، تهديد حياة الملك، الخيانة ثم الجرائم العسكرية.

ونفذت آخر عقوبة إعدام بالمغرب سنة 1993م، ومنذ ذاك الوقت كل من حكم عليهم بالإعدام ينتظرون في ممرات الموت، ومنهم من طالهم العفو الملكي بتحويل الإعدام إلى المؤبد أو المحدد، وأيضًا يسعى القضاء المغربي إلى التقليل من الأحكام الصادرة بعقوبة الإعدام.

ويوضح أحد المحامين (11) أن صعوبة تنفيذ الحكم تقع في المسطرة الجنائية إذ يقول:

«تنفيذ العقوبات الجنائية، منصوص عليه بقانون المسطرة الجنائية».

المادة 602 من قانون المسطرة الجنائية ينص على ما يلي:

«لا تنفذ عقوبة الإعدام إلا بعد رفض طلب العفو» بمعنى أن الشخص الذي لا يوجه طلب العفو لن تطبق في حقه عقوبة الإعدام

بمعنى الشخص الذي تقدم بطلب العفو ولم يجر البت فيه بعد، لن تطبق ضده عقوبة الإعدام.

وغالبًا، بعد قضاء المحكوم عليه بالإعدام، مدة حبس تفوق عشر سنوات، يجري إصدار عفو بتحويل عقوبته من إعدام إلى عقوبة مؤبدة».

عصيد والآخرون

وبالعودة إلى الزوبعة التي أثارها أحمد عصيد بتدوينته تلك، فإن الذين توجهوا له بسهام النقد الحاد انطلقوا من مبدأ أن عصيد ينكر معلوم من الدين بالضرورة، فدعوته إلى عدم تنفيذ الحكم بإعدام مجرم فاجعة عدنان هي مثابة إنكار حكم شرعي وارد في القرآن الكريم ومنصوص عليه بنص قطعي واضح الدلالة، فهم إذ يذودون عن الشرع أولًا، وحتى عصيد نفسه لا يستطيع أن يطالب بحكم الإعدام فلو قال بذلك لألجمه خصومه ولاعتبروا أن ذلك إقرار من عصيد بحكم الشرع الذي لا يفتأ أن يعقب على أحكامه بين الفينة والأخرى، فعصيد من موقعه يطالب بعلاج الجريمة في ذاتها فهو يرى أن المجرمين لا ينزلون من السماء وأنه لا أحد يولد مجرمًا وإنما المجرم هو صناعة مجتمعية فهو يرى بضرورة إصلاح المجتمع بالتربية الحسنة والحث على المواطنة، في حين خصومه يرون أن العلاج هو اجتثاث المجرم كونه يستحق هذه العقوبة بسلبه حياة طفل بريء.

لكن الأصوات التي وجهت سهامها إلى عصيد بعد تعليقه على جريمة عدنان، لم تتكلم إلى حدود اللحظة عن إمام مسجد يمارس هتك عرض القاصرين منذ سنوات، بل شيخ سلفي مشهور بانتقاده لعصيد، والذي كان يدعو للإعدام في جريمة قتل عدنان، علق قبل يوم بعدم التكلم في أعراض الناس وأن جريمة الزنا لا تنبث إلا بأربع شهود رأوا المرود في المكحلة، وكأن الشيخ غاب عنه التفرقة بين الاغتصاب والزنا!

وأما أحد المواقع المعروف بقربه من الإسلاميين فقد ظل لأيام متتالية ينشر مقالات وآراء لشيوخ ينتقدون عصيد، لكن لما طفحت قضية الشيخ المغتصب الذي اعترف اليوم بكل ما نسب إليه، أصبح الموقع ينشر آراء لشيوخ يدافعون عن الشيخ المغتصب ويرون أن كل من يهاجم الشيخ البيدوفيل هو عدو للإسلام مما يدعو للشك حول هؤلاء هل هم فعلًا يطالبون بالإعدام حتى تعم العدالة أم يطالبون بذلك فقط إرضاء لإديولوجيتهم.

علينا أن نناقش قضايانا بعيدًا عن التعصب وقذف الآخرين والتشهير بهم، ففتح باب النقاش والأخذ بكل الآراء وتقييمها في جو من الاحترام هو مظهر من مظاهر الديمقراطية، أنه ليس من الحق كتم صوت المطالبين بالإعدام ولا كتم صوت المعارضين لهذه العقوبة، بل فتح باب النقاش على مصراعيه.

آملين أن تتحسن الوضعية الاجتماعية ببلادنا وأن تقل مثل هذه الجرائم التي تحز في النفس، وخصوصًا أنها تمس فلذات أكبادنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد