حقيقة لا أدري هل لي أن أكتب من نافذة قد تكون بعيدة لا ترى إلا الظاهر، أم أن النوافذ البعيدة هي التي ترى الحقيقة دون تأثيرات عفنة، ليس الغرض من كلماتي الدفاع عن فكرة معينة، بل هي محاولة للتجرد من كل شيء لنصل لحقيقة الشيء. محاولة للتجرد من جميل القول أو قبيحه والتجرد من كل مشهور لمعرفة الحق.

على ما يبدو أنه لا ينتبه البعض أننا للوهلة الأولى حينما نرى أي حدث نتبنى أول سبب منطقي تسبب في ذلك الحدث، وبعد مرور وقت كافي للتفكر نجد أن هناك أسبابًا كثيرة ليست لها علاقة بالسبب المنطقي الأول الذي تبنيناه.

وقس على ذلك تعاملك أو ردة فعلك تجاه معظم الأحداث، فأول من نراه تعامل مع الموقف نظن أنه على علم أو على دراية كافية للتعامل مع مثل هذه المواقف فنتبنى ردة فعله، دون تفكير، بل ببعض الأحيان لا نقيس عواقبها، وهنا تقع الكارثة الكبرى.

فبعض الظواهر الحديثة الظهور أو الانتشار بحكم السوشال ميديا مثل خلع الحجاب أو الإلحاد و غيرهم ، تحول التعامل معها من مجرد قضية تخص فردًا محددًا إلى قضية تخص فرد و من ناحية أخرى تخص فئات عديدة مثلًا : فئة تدافع عن القضية بمقابل فئة تعترض عليها لجانب ابتلاء القضايا بوجود فئة بين هنا و هناك أو الفئة الصامتة . فأصبحت الظواهر الحديثة تخص الفرد الفاعل و من يشجع فعله و إن لم يفعل بمقابل بقية الفئات.

فمثلًا قضية خلع الحجاب سابقًا كنا نواجه من خلعت الحجاب فقط لكن مع انتشار السوشال ميديا و انتشار الأخبار سريعًا ظهرت فئات جديدة مثل: فئة من يشجع الحرية المطلقة (دون تعريف واضح لهذا المصطلح) فيشجعون خلع الحجاب بل و خلع أي شيء في سبيل الحصول على اللا قيود، وبالطبع هم لا يوضحون لنا فضًلا عن أنفسهم معنى مصطلح القيود، و فئة تحاول ساعية للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و فئة لا تدري مع أي الفريقين هما، و فئة صامتة تحت شعار أنها الفتنة فلا نسمع و لا نرى و لا نتكلم.

فأصبح التعامل مع أي قضية لا يتعامل مع القضية بذاتها بل مع عواقب قضايا أخرى منها التشتت الفكري و العقائدي أو الميوعة الفكرية و العقائدية.

فأذكر دائمًا و لا أنسى شيخي الفاضل حينما قال لنا: «فرّقوا يا أولادي بين المرونة الفكرية و الميوعة الفكرية»، وكأنه ينبهنا لكارثة تدهور المرونة إلى ميوعة فكرية و من ثم ميوعة عقائدية كارثية. فرّقوا يا أولادي بين قبول الفكرة و الانصياع لكل فكرة. فرّقوا بين الحرية الحقة والحرية المطلقة.

و هنا تعليقًا على «الحرية المطلقة» أريد نقل كلمات للدكتور خالد سليمان من فلسطين، وكان مسلمًا وألحد ثم عاد للإسلام بفضل الله، مُعلقًا عن مفهوم الحرية والإلحاد، قائلًا: «عمليًا الإنسان الذي يزعم أنه يتحرر عندما يُلحد، هو كاذب، لا تستطيع أن تتحرر مادمت تعيش في مجتمع إنساني، هناك الرقابة المجتمعية هناك القانون و الضوابط، فأنت طوال الوقت تعيش عبدًا للمؤسسات فلماذا تقرر أن الوحيد الذي لا تريد أن تخضع له هو خالقك؟ فهو خيار غبي، عندما تقول أن تريد أن ألحد أنت لا تكون حرًا أبدًا، أنت فقط تفقد حريتك الحقيقية لإن الحرية الحقيقية عندما تخضع لله وحده».

فحقيقة الحرية أنها ليست مطلقة كما يظن بعض الناس أن مشكلة أي عقيدة هي القيود، بل حقيقة العقيدة الإسلامية بخاصة أنها تخرجك من ضيق القيود الدنياوية إلى سعة الحرية بالإيمان بخالق كل شيء، بل سعة التصالح مع هذه بالتفاهم مع كينونة كل قيد يراه البعض قيد و يراه المؤمن خضوع، حقيقة الحرية تعود لمعرفة حقيقة الأشياء.

فلماذا يسمي البعض طاعة الله قيد في حين طاعة من نحب حب؟ إجابة هذا السؤال تبدو بسيطة لكن إدراكها والتعايش بها قد ننجو به أو نهلك. والآن هناك من يسألون الله: «لماذا؟» ويتبعون أحبابهم دون أي سؤال!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد