«إذن – أكملت بنبرة صوت عالية – كان هناك شخصان اسمهما (أسعد) وأنا ثالثهما، ثم توقفت فجأة وقلت بصوت حاد وأنا أريد سيادة القاضي أن أثبت أمامك اليوم أنني لم أنل نصيبي يومها من تلك الحلوى».

تلك هي نهاية الفصل الرابع والخمسون الذي أتي تحت عنوان شهادتي أمام محكمة العدل الدولية، التي أدلى بها أستاذ أسعد طه بشهادته حول معسكر الاعتقال تشالبيتش، الذي تم اتهام قائده بقتل عدد من الأسرى الصرب.

يستطرد أستاذ أسعد في فقرة أخرى في ذلك الفصل، أن من عادة أهل البوسنة أنه إذا اجتمع ثلاثة أشخاص يحملون الاسم نفسه، فإنهم يوزعون الحلوى، وتظهر روح أستاذ أسعد المرحة في نهاية يوم طويل من التحقيق أنه لم ينل نصيبه من الحلوى التي تم توزيعها يومها، ولكن أظن أن أستاذ أسعد لم يقل كل الحقيقة، فالحقيقة أن أستاذ أسعد اختص الحلوى كلها لنفسه، وأن الله عندما يرضى عن عبد له يجعل «في لسانه سكرة وفي عينه جوهرة» كما اعتادت عمتي أن تخبرني في صغري.

يحكي أستاذ أسعد في سرديته وسيرته الشخصية عبر 447 صفحة، هي عدد صفحات كتابه «يحكى أن: عن الذات والحرب والثورة»، فتقترب كثيرًا من أسعد الإنسان عبر جلسة ود دافئة يدعوك فيها لفنجان من الشاي أو القهوة في مقهى صباحي في سراييفو، العاصمة البوسنية، لتتحدثا معًا عن قرب، يقربك منه ويجلسك بجواره ويتحدث عن عائلته وعن هجرته الأولى من السويس، وكيف تشكلت أيام طفولته، ويتحدث بكل صراحة وفضفضة عن دراسته وعن تعليمه وعن كتبه المفضلة وسفراته الكثيرة.

في رحلتي الأخيرة صادف أن يجلس بجواري رجل تركي ووجدني منهمكًا للغاية في قراءة الكتاب، فأثار الكتاب فضوله وانشغالي بما أقرأ فسألني لمن أقرأ؟ فجاوبته لأستاذ أسعد أطه، فقال لي يبدو ممتعًا لك فجاوبته: نعم، يقدم الكاتب لك الجوهرة التي في عينه، ويقربك منه ومن أدق تفاصيله، يجعلك تسير معه وتتنفس الهواء المشبع برائحة الشغف، يعطي تجربته للشباب علهم يتعظون وعلهم يجربون ويقتربون ولا يخافون، فسألني التركي هل تعرفه؟ قلت له كل من يحب الوثائقيات والإنسانية ويحمل قدرًا بسيطًا من شغف يعرفه ويحبه ويقدره. قال لي وهل تقابلتم من قبل؟ قلت له كثيرًا عبر كتابه وحلقاته وصوته المميز في قناته في ساوند كلاود، لكنني لم أتشرف بعد برؤيته عينًا للعين ولكنني على وعد أن يقدم لي فنجان قهوة في سراييفو العاصمة البوسنية في يوم ما قريب إن شاء الله.

أعاد الرجل التركي سيل الأسئلة بعد حين، فقال لي ما أفضل ميزاته إن كنت عرفت شخصيته من كتابه ذلك؟ احترت، فجاوبته بكلمة واحدة، قلت له إن أجمل ميزاته هي أنه إنسان بكل معنى الكلمة، فالإنسانية تحمل كل المعاني الطيبة والجميلة، وكذلك تحمل كثيرًا من ضعفنا الإنساني وتقبلنا لأخطائنا، قلت له إن الإنسانية تجعلنا متواضعين ومحبين للآخرين، لا نضمر شرًا لأحد، ونعمل بشغف، ونسعى دومًا أن نصبح نسخًا أفضل من نسخ الأمس. قلت له قبل أن تقلع الطائرة من الدوحة تراسلت مع أستاذ أسعد ووسط حديثنا سألني فجأة «ما هي أخبار كتابك؟» الذي قرأه منذ عام تقريبًا، هو إنسان مشغول ولكنه متواضع، انفرجت أساريري جدًا بسؤاله وكذلك بتعليقه على عنوان كتابي الأول الذي يتشابه مع عنوان رواية شهيرة، ولفت انتباهي لذلك، قلت للتركي ببساطة هو إنسان ومتواضع.

تقرأ في «يحكى أن» عن ثبات أستاذ أسعد في مواقف كثيرة، أغلبنا لو حضر نصفها كان اختار ألا يكمل، فاختار هو أن يكمل طريقه الذي بدأه، ومن أجمل الأشياء التي قرأتها في كتابه هو أنه علم نفسه بنفسه بإصرار ومثابرة الإعلام، يعترف أنه لم يتخرج في أي مدرسة إعلامية، بل هو من علم نفسه بنفسه، وقارن كيفية تناول الصحف ذاتها لنفس الخبر وكيف تناولوه، بثقة يقدم لك وصفة الأستاذ فيليب، وهي وصفة سحرية يقدمها لك في الكتاب مجانًا وبشكل علني.

طوال أيام رحلتي كل ما كنت أفعله عند عودتي وانتهائي من بعض المهام أن أعاود قراءة فصل كنت قد قرأته مرة واحدة، وأعيد القراءة مرة ثانية، أذكر أن عينيّ دمعتا في عدد من الفصول، ولكن كل ما قرأت فصله حول أطفال البوسنة في مكتوبه إلى «فاطيمة» يعتصر قلبي الحزن وأتصور فاطيمة تلك والأطفال في كل زمان ومكان ومعاناتهم مع الأزمات والحروب التي لا ذنب لهم فيها كي يخوضوها، أتخيل مجاهدته ليوثق تلك الأحداث القاسية وكيف يتحملها قلبه وعقله، ولكنه كما أشار دومًا يود أن يترك أثرًا، لا أن يأتي ويذهب ككثيرين.

في رحلة العودة كان للكتاب معي قصة أخرى، حنث جلس بجانبي رجل وبجواره ابنته، هو رشدي محمد عبد الكريم من ماليزيا، لا يتحدث العربية ويتحدث الإنجليزية، كان ودودًا للغاية وسألني من أي بلد أنا؟ أجبته مصر، ابتسم للغاية وقالي لي أنه درس الهندسة في جامعة من جامعات مصر، وانتهى منها في عام 1976، ومن ثم درس الماجستير وعاد لبلاده ماليزيا، قلت له لقد انتهيت من دراستك قبل أن أولد أنا بعشرة سنوات كاملات، قالي لي إن مصر من أحب البلاد إلى قلبه وأنه كان «ترانزيت» في تركيا ومن ثم سيذهب «ترانزيت» مرة ثانية في الدوحة ثم يعود لماليزيا، قلت له رحلة طويلة، فقال لي إنه عائد من لندن لأن ابنته التي تجلس بجواره مرضت فجأة، وهي وحيدة وتدرس هناك، فسافر صاحب الـ66 عامًا للندن وأعادها معه كي يهتم بها. يعمل دكتور رشدي حاليًّا بشكل غير دائم مع إحدى جامعات ماليزيا، ويحمل رأسه شعرًا أبيض لم أر له مثيلًا في حياتي تقريبًا.

قال لي أن ابنته تمثل العالم له ولا يعرف ماذا يفعل عندما تتزوج فهي حياته كلها حرفيًا، حكيت له يوم زواج ابنة أستاذ أسعد ومقاله الطويل في وداعها، قال لي دكتور رشدي إن هذا الرجل يحب ابنته فعلًا ويحيا بها، قلت له نعم، فبعد زواج ابنة أستاذ أسعد بأيام أرسلت له أخبره أنني لم أحب أن أزعجه وأنني خائف مما مررت به أنت الآن لأنني سأمر به بعد عدة سنوات، فرد علي ردًا يزيد خوفي: «خد بالك، كمان كام سنة يعني بكره»، فابتسم دكتور رشدي أنه أعجب بالرد وقالي لي كذلك سأقول لنفسي أنه بعد عدة سنوات سيحدث نفس الأمر معي، لذلك سأقتنص كل الفرص المتاحة لأصبح بجوارها قدر ما استطعت.

فصول الكتاب الثلاثة والستون، وهي عدد سنوات عمر أستاذ أسعد تقريبًا، الذي سأقترح عليه عند طباعة أي طبعة جديدة أن يضيف للكتاب فصل جديد حول عامه الجديد، نعم عرفت من خلال سرده أنه لا يحب أن يحتفل بعيد ميلاده، ولكن ستكون هدية لطيفة منه إن أضاف كل عام لكل طبعة جديدة فصل جديد يحدثنا فيه عما حدث معه، وأعده أن أشتري نسخة من كل طبعة جديدة تحتوي على فصل جديد.

في نهاية الكتاب وفي الفصل الأخير حول العزال، يذكر عرضًا اسم منجية التي خجلت أن أسأله هل يقصد منجية إبراهيم الأديبة الجزائرية التي تشرفت بزيارتها لي ولزوجتي في القاهرة يوما ما وأهدتني روايتها الأولى وعملنا معًا لسنوات طوال، تركت السؤال عالقًا لأذكر نفسي في كل مرة أنهى فيها الكتاب ثانية أن أسال أستاذ أسعد حولها ولكنني أؤجل السؤال للقراءة التالية وهكذا.

لو كان لي أن أطلب في نهاية كلامي هنا عن كتاب «يحكى أن»، فإنني أود أن اقرأ كتبًا أكثر من أستاذ أسعد بأسلوبه الجميل الذي يحكي لك كل التفاصيل، الذاكرة أدامها الله عليه هي كل ما سيتبقى للإنسان كي ينقل منها ما يتذكره وهي تحوى كل تجارب البشر والسفر والترحال، الذاكرة هي المكان الوحيد الذي لا نعزل منه ولا يضيق بما نملك، بل نرتبها ونرتب ما نملك ونصدر حكاياتنا الجميلة مثل تلك التي احتواها كتابه عن الذات والحب والثورة، فشكرًا أستاذ أسعد على الوجبة الدسمة التي شاركتني أيام طويلة وانتهيت منها وأنا حزين ولكنني أملك السؤال الذي لن أساله حتى أعيد قراءة الكتابة مرات أخرى وأعتقد أنني لن أساله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد