شهدت سوريا انتخابات رئاسية، والتي انتهت بفوز الرئيس الحالي، بشار الأسد، بولاية رابعة لمدة 7 سنوات قادمة. انتخابات أقل ما يقال عنها انتخابات فلكلورية رمزية تعكس فقط رغبة الداعمين الرئيسيين للنظام السوري، وهم الروس والإيرانيون كنوع من التحدي والنصر ضد ما سُمي بمحاربة الإرهاب وترسيخ لفكرة الصد للمؤامرة الكونية ضد سوريا.

فالرئيس القديم الجديد ظهر خلال حملته الانتخابية يبرز إنجازات الروس في دمار وتخريب البنية التحتية، وتحويل البلد إلى كومة من الحجارة والخراب، وكذا إنجازات الإيرانيين في قتل وتشريد السنة وتسليح الميليشيات التابعة لها في الأراضي السورية وقيامها بعملية التغيير الديمغرافي، خاصة في المناطق التي يسكنها السنة وأكثر من ذلك تحويل سوريا إلى ساحة صراع بينها وبين إسرائيل.

فلا الأسد كان يملك برنامجًا انتخابيًّا ليدخل إلى هذه الانتخابات، أو حتى له القدرة على التفريط في الرئاسة. لكونه يدرك أن مصيره في حال تخليه عن منصبه سيكون إما الاغتيال مثل عبد الله صالح رئيس اليمن، والقدافي زعيم ليبيا، وإما تكون نهايته مثل البشير رئيس السودان في السجن أو يكون متابعًا في المحاكم الدولية.

فعلى المستوى الداخلي يظهر فشله في أنه فكك وحدة الجيش العربي السوري وتحول إلى مليشيات، وتهجير أكثر من 10 ملايين إلى مختلف دول العالم، إضافة إلى العجز الاقتصادي والتدهور الحاد للعملة المحلية أمام الدولار، خاصة مع العقوبات الغربية المفروضة على النظام السوري وعلى شخصيات من النظام.

فلم يعد النظام يستطيع حتى إعالة المناطق التي يتحكم فيها أو إيجاد حل لأزمة البنزين والكهرباء رغم أن الروس دولة نفطية وكل إنتاجها من البترول والغاز يُباع في الأسواق الأوروبية وفي دول عديدة. فلم يقدموا ولا حلًّا للنظام السوري ولا حتى السوريين، وهو ما يؤكد أيضًا أن إيران أيضًا دولة نفطية لكن أين مساعدتهم لسوريا من ناحية الطاقة؟

فالحالة الاقتصادية لم تعد محتملة فأصبحت الطوابير الطويلة والتدهور الحاد للعملة والارتفاع الخيالي للأسعار. فالمتضرر الوحيد من تكلفة الحرب هو الشعب السوري، فلا النظام ولا الدول الداعمة له وجدت لهم حلولًا أو حتى الدول الغربية التي فرضت عقوبات على سوريا.

أما في الجانب المؤسساتي أو في توفير الاحتياجات اللازمة للشعب فسجلت الفشل الذريع أو حتى إعادة السيطرة على بعض المناطق السورية الخاضعة تحت دول أخرى لم يتمكن من ذلك رغم مرور 10 سنوات على الحرب الأهلية بالرغم من الدعم اللامحدود من الروس والإيرانيين.

أما على الصعيد الاقليمي نجد أن الدول الداعمة للأسد هي المنتصرة معنويًّا وتمكنوا من فرض الأسد مرة أخرى، كونه منح لهم عدة امتيازات فالروس استفادوا من أهم موانئ ميناء طرطوس وحميميم، إضافة إلى عقود في الطاقة وسوق جديدة لبيع السلاح الروسي، وفي مجالات أخرى، أما الإيرانيون فقد تمكنوا من نشر المذهب الشيعي وضمان التواصل مع مليشياتها في العراق مرورًا بسوريا وهمزة وصل من أجل تقديم المساعدة لحزب الله في لبنان والميلشيات التابعة له، إضافة إلى العقود الاقتصادية منها إعادة الإعمار التي تسعى الشركات الروسية والإيرانية بالظفر بها وتقاسمها، والتي يعتبرونها ثمرة دعمهم للنظام طيلة كل هذه السنوات.

أما المناطق الشمالية التي تسيطر قوات الاحتلال الأجنبية على حسب تعبير الأسد، فتتقاسمها كل من تركيا في الشمال ومنطقة إدلب أما في الشمال الشرقي، والتي تحتوي على الموارد الطاقوية، تقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية المدعومين من الولايات المتحدة الأمريكية.

أما على الصعيد العربي فلم تقدم أي دولة تهنئة أو مباركة للأسد بفوزه في الانتخابات باستثناء اليمن والملفت للانتباه حتى الدول الخليجة الملكية التي يسعى بعضها مثل الإمارات والبحرين بإعادة فتح سفاراتها في دمشق أو حتى الجمهوريات العسكرية مثل مصر والجزائر والسودان لم تقدم أي تهنئة، وفي الجهة المقابلة يستمر تجميد عضوية سوريا في جامعة الدول العربية رغم وجود بعض المبادرات في إعادتها إلى الحضن العربي وفك بعض العزلة عنها.

أما على الصعيد الدولي فلم يتغير شيء، فحتى الانتخابات الاخيرة رفضت بعض الدول مثل فرنسا وألمانيا وأمريكا أن تُقام على أراضيها ووصفوها بالمهزلة لأنها لا تتوفر على أدنى شروط النزاهة أو الشفافية.

فالمجتمع الدولي بحد ذاته لا يملك البديل لخلافة الأسد رغم محاولات الروس المتكررة لفك العزلة عن النظام السوري واستخدام الفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن لصالح النظام السوري خاصة عند استخدامه للأسلحة الكيماوية والبراميل المتفجرة ضد المدنيين.

أيضًا تحول الجالية السورية الموجودة في كل دول العالم وخاصة في الدول الغربية إلى قوة ضاغطة أو إلى لوبي يؤثر في الرأي العام الغربي والعالمي ومنها يضغطون على الحكومات الغربية بعدم التقرب من النظام السوري أو حتى المجازفة بتخفيف القيود عليه ولو شكليًّا.

فالعملية الانتخابية الأخيرة الهدف منها إضفاء الشرعية وفك العزلة الدولية خاصة الدول العربية والغربية وتعد غطاءً فقط من أجل كسب تأييد مباركة الدول والعودة من خلالها إلى المجتمع الدولي والجامعة العربية. فنتج منها مباركة خمس دول فقط لهذه الانتخابات وهي روسيا وإيران وكوريا الشمالية والصين وفنزويلا. فطبيعة أنظمة هذه الدول الخمسة توضح طبيعة النظام السوري نفسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد