بشار الأسد في طهران لأول مرة منذ اندلاع الثورة السورية منذ عام 2011، زيارة كانت أم استدعاء مهينًا كما تعود الأسد مؤخرًا عليها سواء من حليفه الروسي سابقًا أو من الإيراني حاليًا، لا يهم، ما يهمنا لماذا اختار الأسد طهران حاليًا؟

منذ بدء الثورة السورية لم يعلن الأسد استباقيًّا عن مغادرته سوريا علنًا، علمًا بأنه زار روسيا ثلاث مرات، في زيارات وُصفت بأنها «استدعاء لتبليغه أوامر معينة من قبل الرئيس فلاديمير بوتين»، الذي أنقذ بتدخله العسكري بدءًا من 30 سبتمبر (أيلول) 2015 النظام من سقوط محتم على يد قوات المعارضة، وهو ما صرّح به مسؤولون روس أكثر من مرة، كذلك كانت زيارة طهران، أوامر معينة من خامنئي وروحاني، وتذكير بشار الأسد أنهم هم أيضًا أنقذوه من سقوط محتم بعد تدخلهم علانية للوقوف بجانبه.

الأسد خائف من تغييره روسيا ويريد الاحتماء بإيران:

مراقبون ومحللون يرون أن زيارة الأسد ربما تأتي كمحاولة للارتماء مجددًا في حضن إيران بعد ورود تسريبات عن وجود مخطط لدى روسيا لتغيير الأسد، بعد تسريبات أحد قادات المعارضة مع أن بعضهم رأى أن الأسد لا يستطيع الخروج من الكنف الروسي حاليًا وأنه ربما تكون الزيارة بعلم روسي.

وكان رئيس المكتب السياسي للواء المعتصم مصطفى سيجري تكلم عن عرض روسي مقدم إلى تركيا والمعارضة السورية، يجري التفاوض عليه بشكل سرّي، يتضمن إزاحة بشار اﻷسد عن السلطة وإخراج اﻹيرانيين من البلاد.

إذ ذكر سيجري على صفحته في «تويتر»: أن العرض الروسي يتضمن صفقة كاملة تبدأ بالإعلان عن وقف إطلاق النار ورفع اليد عن الأسد، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة.

وبحسب سيجري فإن المفاوضات تجري حول الذهاب نحو عملية سياسية لا مكان فيها للأسد ورموز نظامه، على أن تشرك روسيا في التفاهمات المتعلقة بمناطق شمال شرق سوريا.

كما تأتي الزيارة بعد تعثر محاولات إعادة نظام الأسد إلى الجامعة العربية، رغم مساعي دول عديدة، منها العراق والسودان والجزائر والإمارات بعد الفيتو الأمريكي بحسب المعلومات التي نشرتها وكالة «رويترز» أخيرًا. لذلك يعتقد مراقبون أن الأسد أدار ظهره للمحيط العربي، خصوصًا أن أغلب الدول العربية كانت تشترط قطع النظام السوري لعلاقته مع إيران من أجل تأهيله عبر البوابة العربية؛ لذلك أراد الاحتماء بإيران مجددًا. وهي صفعة كبيرة لتلك الدول التي قالت إنها أعادت العلاقات مع الأسد لمحاربة التغلغل الإيراني خاصة دولة الإمارات.

رسائل إيرانية:

ويفسر محللون أن وراء جلب طهران للأسد رسائل إيرانية إلى أطراف إقليمية ودولية، في لحظة تبدو فيها أقرب إلى المواجهة مع الولايات المتحدة والغرب.

كما أن القيادة الإيرانية مستاءة من روسيا بعد أن أبدت نوعًا من الاستعداد لإبرام صفقة مع واشنطن أو أنقرة بشأن سوريا، وإدلب وشرق الفرات، وقلقة من تحركات الولايات المتحدة العسكرية وعقوباتها الاقتصادية.

الاستياء الإيراني الأكبر كان من خلال لقاء فلاديمير بوتين ونتنياهو منذ أيام، إذ أعلن فيه تشكيل «فريق عمل، بمشاركة عدد من الدول، لدراسة مسألة إبعاد القوات الأجنبية من سوريا» وعلى رأسها إيران، وأن إسرائيل ستواصل العمل، بحسب الضرورة، ضد محاولات العدوان الإيراني، مع حفاظها على آلية منع الاشتباك مع روسيا».

وكان بشار الأسد قد انتقد في خطابه الأخير أستانة وسوتشي وبدا أنه يتحدث بلكنة إيرانية منتقدًا فيها تركيا بوضوح وروسيا بشكل مبطَّن، ومتنصِّلًا من استحقاقات المفاوضات والعملية السياسية، وبالتالي يعطي مؤشرًا واضحًا على أنه حسم خياره في الانحياز إلى إيران، وأشهر ذلك على الملأ، وتأتي هذه الزيارة لتكمل انتقاده لروسيا وارتمائه نهائيًّا في حضن إيران، خاصة بعد تسريب روسيا صور مهينة للأسد في مطار حميميم، والتي على ما يبدو أنها سربت بعد كلام الأسد الأخير في خطابه، ونقده المبطن لروسيا.

أرادت إيران أن توصل رسالة إلى موسكو أن بشار الأسد تابع لنا، ولا أحد يستطيع انتزاعه منا بحجة إعادة تأهيله شريطة فك ارتباطه منا، كما أنها وجهت رسالة مباشرة للأسد نفسه، أننا نحن من أنقذناك وأبقيناك رئيسًا، فلا تحاول أن تتخلى عنا أيضًا.

ولم يعد يخفى على الجميع المنافسة بين روسيا وإيران على الغنائم داخل سوريا، الأمر الذي تترجم لحدوث اشتباكات بين القوات الموالية لروسيا، والأخرى الموالية لإيران داخل سوريا، لا سيما في سهل الغاب بحماة، ومحاولة روسيا المستمرة تحجيم القوات المدعومة إيرانيًّا.

مراسيم الزيارة لا تختلف عن صور حميميم:

بالعودة لمراسيم الزيارة، فهي لا تختلف أبدًا عن زيارات الأسد لبوتين، فهي عبارة عن إهانات مستمرة، فلا وجود لوفد مرافق، ولا علم بلاد، أما الطائرة فيؤكد أحد المراكز الأمريكية أنها تمت عن طريق طائرة شحن شبيهة للطائرات التي أقلت الأسد لموسكو سابقًا. على ما يبدو أن الأسد اعتاد على الأمر كل مرة.

ما بين الحضن الروسي والإيراني يبدو الأسد تائهًا، عقله مع روسيا وعاطفته وعاطفة طائفته مع إيران، أما البلد والشعب السوري فلا وجود له في عقل الأسد أو عاطفته، البلد بيعت، والشعب ما زال يقتل كل يوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد