شهدت مواقف بعض الدول الغربية والعربية المناهضة للنظام السوري ورئيسه بشار الأسد في الآونة الأخيرة تغيرًا جذريًا بعدما كانت قد تمسكت بها منذ اندلاع الثورة السورية سنة 2011. فهذه الدول وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا والسعودية والأردن التي كانت ترى في بشار الأسد جزءا من المشكلة وبقائه في الحكم يزيد في تأزم الوضع السوري والقتل والتدمير والتهجير، وأي حل للأزمة السورية مرهون بمغادرة بشار الأسد سدة الحكم.

كل هذه الرؤى والمواقف لم تعد تراها هذه الدول وأصبحت تتحدث عن أمر واقع ووضع قائم. فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اعتبر في يونيو (حزيران) الفارط أنه لا يوجد بديل شرعي لبشار الأسد في سوريا، وأن فرنسا لم تعد تعتبر رحيل الأسد شرطًا مسبقًا لحل الصراع في سوريا. هذا الموقف الفرنسي الجديد الذي عبر عنه الرئيس ماكرون يأتي مناقضًا تمامًا لموقف فرنسا إبان حكم الرئيس فرانسوا هولاند (2012-2017) الذي أكد مرارًا أن بشار الأسد لا يمكن أن يلعب دورًا في مستقبل سوريا.

أما بريطانيا، فقد أكدت في أكثر من موقف على ضرورة عدم السماح لبشار الأسد الاستمرار في السلطة بعد انتهاء الحرب في سوريا، فعلى سبيل المثال لا الحصر اعتبر وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون في يوليو (تموز) 2016 أن ما يحدث في سوريا أمر مروّع، وجدد موقف بلاده بضرورة تنحي بشار الأسد عن السلطة معتبرًا أن جميع القوى الغربية متفقة على ذلك، لكن في 26 أغسطس (آب) 2017، ووفق ما نشرته صحيفة التايمز البريطانية، طرأ تغيّر واضح وجذري على موقف بريطانيا تجاه بشار الأسد والحرب السورية الدائرة ككل، حيث صرح بوريس جونسون لأحد البرامج الإذاعية البريطانية أن بريطانيا لطالما أكدت على ضرورة تنحي بشار الأسد كشرط مسبق لأي حل للأزمة السورية، لكن اليوم للأسد الحق في المشاركة في المرحلة الانتقالية وخوض الانتخابات المقبلة.

أما المملكة العربية السعودية التي طالما دعمت معارضي الأسد بالمال والسلاح واستضافت اجتماعاتهم، وأكدت على ضرورة تخلي الأسد عن الحكم، سواء بالسياسة أو بالقوة العسكرية، ها هي اليوم تتحدث على لسان وزير خارجيتها عادل الجبير عن ضرورة إعادة صياغة المعارضة السورية رؤية جديدة بشأن تسوية الأزمة السورية ومستقبل الأسد. وهذا تغير واضح على تراجعها بالمطالبة بتنحي الأسد.

وإلى جانب السعودية، عرف موقف حليفتها الأردن تغيرًا لافتًا من بشار الأسد ونظامه عبّر عنه وزير الدولة الأردني لشؤون الإعلام محمد المومني قائلًا: نتحدث عن علاقات تتجه باتجاه إيجابي بيننا وبين الدولة السورية والنظام في سوريا. هذا التغير جاء بعد وقوف الأردن ضد نظام الأسد منذ 2011، وقد اتهم الأسد ونظامه الأردن في أكثر من مناسبة على عدم استقلالية القرار الأردني، وأنها تسعى لغزو جنوب سورية بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية.

إن هذه الدول ليست الوحيدة التي غيرت مواقفها، من الرفض المطلق لبشار الأسد ونظامه في حكم سوريا إلى ضرورة إشراكه في العملية الانتقالية ومستقبل سورية، فقد سبقتها دول أخرى على غرار الولايات المتحدة وألمانيا والإمارات العربية المتحدة ومصر لتتماهى مع موقف روسيا الاتحادية وإيران وميليشياتها الطائفية، وهذا كله يزيد في حجم الشرخ السوري – السوري ويؤزم الوضع الراهن ويؤجج نيران الحرب الأهلية السورية التي راح ضحيتها الملايين من السوريين قتلى وجرحى ومختطفين ومهجرين.

فإفلات مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في سوريا من المحاكمة والعقاب، إضافة إلى عدم تحقيق مطالب الشعب السوري التي نادى بها منذ مارس (آذار) 2011، كالكرامة والحرية والعدالة، والتدمير الذي تعرضت له المدن الثائرة ذات الأغلبية السنية (حلب، حماة، حمص، إدلب، ريف دمشق، درعا) والتهجير الذي تعرض له السوريون، خاصة مناطق السّنّة، وتعويضهم بأنصار النظام السوري من الطائفيين (حلب، حمص، مدن وبلدات دمشق وريفها)، والمختطفين الذين عذبوا وقتلوا في أقبية النظام، كلها أسباب تحول دون تحقيق مصالحة وطنية حقيقية واستقرار سياسي واجتماعي في سوريا، بل ستسهم في تعزيز سوريا المفيدة أو سوريا المتجانسة التي يروج لها بشار الأسد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات