جاءت عملية اغتيال المستشار هشام بركات لتفتح فصلا جديدا وداميا في الصراع المحتدم بمصر، وسأقوم عزيزي القارئ في هذا المقال باستخدام كافة أدوات الاستفهام لتحليل هذا الحدث الجلل، وخاصة مسألة احتمالية الفاعل هل هو من داخل النظام أم من معارضيه؟ ولكل احتمال توابعه وتبعاته.

 

أدوات الاستفهام في حادث النائب العام

أين؟

 

القاهرة – مصر الجديدة شارع عمار بن ياسر بجوار سور الكلية الحربية – وهي منطقة راقية ومن الناحية الأمنية سهلة السيطرة كما أن وجود منزل النائب العام بها جعلها منيعة الاختراق.

 

متى؟


صباح اليوم السابق لذكرى تظاهرات الثلاثين من يونيو، في ظل دعوات للتظاهر وعمل كشف حساب عن الفترة التي تلت استلام الجيش لمقاليد الأمور في مصر بشكل مباشر ونداءات داخل القوى غير الإسلامية لمراجعة النفس وتغيير المسار.

 

كيف؟

 

عن طريق سيارة مفخخة قدّر الخبراء كمية المادة المتفجرة بنصف طن تقريبا، وقد وضعت بكفاءة في خط سير موكب النائب العام بشارع عمار بن ياسر، وقد صرحت النيابة العامة المصرية أن التفجير تم عن طريق التحكم عن بعد.


هل يوجد أشياء غريبة؟ نعم

 

  • بعد التفجير ذكر شاهد عيان من أهل المنطقة أنه رأى السيد المستشار هشام بركات (النائب العام) يترجل من السيارة المصفحة التي كانت تقله، ويمشي على قدميه (شاهد هنا).
  • وصرح مصدر أمني لعدة مصادر إخبارية (مقربة من النظام العسكري) أن النائب العام لم يمت بالتفجير، ولكنه مات إثر حادث سيارة صدمته بعد ترجله من سيارته المصفحة قافلًا إلى بيته (هنا).

 

  • خط السير يتم تغييره يوميا (مصدر) ويستحيل وضع السيارة في خط سير الموكب في نفس اليوم ومراقبته عن بعد والتفجير في لحظة مرور الموكب إلا بعملية اختراق أمني ومعلوماتي.

     

     

إلى من تشير أصابع الاتهام

 

والآن سنتطرق إلى الاستفهام الأكبر والأهم وهو من الفاعل؟

 

هناك احتمالان لا ثالث لهما؛ إما أن يكون الفاعل من معارضي نظام الحكم العسكري، أو أن يكون النظام نفسه أو أحد أجنحته هو الفاعل.

 

الاحتمال الأول: أن يكون الفاعل أحد فصائل المعارضة

 

أمامنا طيف واسع من معارضي النظام الحالي فمن أقصى اليمين نجد (ولاية سيناء أو داعش)، ومن أقصى اليسار نجد الإخوان المسلمين المنتهجين لمسار الثورة الشعبية تحت شعارات فضفاضة (سلميتنا أقوى من الرصاص أو ما دون الرصاص سلمية)، وسنحلل هذا الطيف قدر ما أمكن من حيث الإمكانات والقدرة على الفعل.

 

ولاية سيناء (داعش)

 

إمكانات ولاية سيناء تسمح بذلك وأكثر فقد قاموا بعمليات تفخيخ واقتحام وانغماس في قوات الجيش المصري والشرطة بسيناء إلا أن عائق الجغرافيا يقف حائلا دون توقع هذا الفعل من هذا التنظيم، فهم يعملون منذ بداية ظهورهم باسم (أنصار بيت المقدس) وقبل مبايعة (البغدادي) في سيناء، وينتمي أغلب أفراد التنظيم لنفس المنطقة الوعرة صعبة التضاريس بسيناء حيث تشكل طبيعة المنطقة حاميًا طبيعيًا لهم، ولم يقم التنظيم بأي عمليات خارج حدود سيناء.

 

تنظيم أجناد مصر

 

نشأ تنظيم أجناد مصر بعد الانقلاب العسكري مباشرة، ويؤمن بمنهج الكفاح المسلح ضد النظام وهو إسلامي التوجه، والحوار الآتي يوضح الكثير عن التنظيم (شاهد هنا).

 

وقام التنظيم بعمليات عديدة ضد قوات الجيش والشرطة، ولكنها لم تكن تعدوا عن عبوات ناسفة محدودة التأثير وبدائية التصنيع يتم زرعها بجوار الأكمنة الأمنية، وقد تم تصفية المسؤول العام لأجناد مصر منذ عدة أشهر، وخفّت بعدها وتيرة عمليات التنظيم.


العقاب الثوري والمقاومة الشعبية

 

وهي حركات شبابية بحتة تأسست بعد فض رابعة بعام تقريبا، ولا يعرف لها نشاط إعلامي إلا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتنحصر أنشطتهم التي يتم الإعلان عنها عبر صفحاتهم في مهاجمة الأكمنة الأمنية وإحراق بعض المنشآت الحيوية بهدف عمل صداع للنظام وإرباكه وإثبات عدم سيطرته، وتتهم الجهات الأمنية جماعة الإخوان بالوقوف خلف هذه الحركات الشبابية ودعهما إلا أن الإخوان في بياناتهم ينكرون ذلك ويتهمون النظام بالمسؤولية عن دفع الشباب للعنف ولا أعتقد – بتقديري الشخصي – أن كفاءة هذه الحركات الشبابية ترقى لمستوى عملية اغتيال النائب العام.

 

الإخوان المسلمون

تنظيم الإخوان المسلمين تنظيم دعوي وتربوي في شخصيته، وانتهاجه للكفاح المسلح أمر ليس بالهين، فأن تتحول كتلة شبابية تقدر بعشرات الآلاف كانت خلال عشرات السنوات الماضية أنشطتها عبارة عن (تنظيم اعتكافات، ومُصلّى العيد، وشنطة رمضان، ودروس في المسجد، وتربية أطفال بكتاتيب تحفيظ القرآن ورعاية فقراء وأيتام والعمل النقابي والمشاركة في الانتخابات) إلى مجموعات مسلحة تحارب نظامًا يحكم دولة (بدون الدخول في تفاصيل المشروعية) أمر ليس بالهين من الناحية العملية والتربوية والتأهيلية، كما أن هناك خلافًا عميقًا داخل الجماعة من القمة إلى القاعدة حول انتهاج العنف لم يتم حسمه حتى الآن، كما ظهر في خلافات مكتب الإرشاد الأخيرة ولذا فتنظيم الإخوان ربما كان قويا ولكن ليس في هذا المجال – حتى الآن – راجع مقالي بساسة بوست (الإخوان والكفاح المسلح).

 

تنظيم جديد لا يعرفه أحد

وهذه أخطر المسارات في هذا الاحتمال فخلال العامين الأخيرين جرت مع الدماء أفكار في رؤوس الكثير من الشباب، وربما كانت هناك مجموعة شبابية في مكان ما لم تنتمِ لأي فصيل من قبل وغير معروفة بشخوصها لأحد وربما هي ضد الجميع حكومة ومعارضة، وكانت تراقب الأحداث ولا تشارك فيها وتوفر طاقاتها ومواردها وتعد نفسها لمنازلة النظام في الوقت الذي تريده، وربما وفرت لنفسها دعما ذاتيا أو خارجيا وتدريبا عاليا وقدرة على التجنيد والاستقطاب جعلها ترقى لمستوى المحترفين.


وإن صح هذا الاحتمال فاللهم إن مصر قد دخلت في عصر المفخخات التي ستجعل النظام العسكري يفقد صوابه، ويعصف بمعارضيه الذين يعرفهم ليراقب هذا التنظيم المجهول هذه الأحداث العاصفة فيقهقه أفراده منتظرين العملية التالية.

 

الاحتمال الثاني: أن يكون النظام نفسه هو الفاعل أو أحد أجنحته

 

هل يمكن أن يضحي النظام (أو أحد أجنحته) بالنائب العام؟

ضحى النظام من قبل برأسه (حسني مبارك)، وأدخله السجن لكي ينجو من آثار ثورة شعبية، وبالفعل نجح في ذلك ونحن الآن أمام نظام غير مستقر (عسكري الجوهر والمظهر)، وينظر لباقي أذرع الدولة على أنها مجرد مساعد له ويملك منها العديد من البدائل.

 

 

لماذا يمكن أن يضحي النظام (أو أحد أجنحته) بالنائب العام؟

 

ربما كان هناك ترتيب مستقبلي للنظام أو أحد أجنحته يستلزم دفن ملفات معينة بشخوصها، وقد تبين من تسريبات (مكتب السيسي) أن هناك ترتيبات في ملفات قذرة بين المؤسسة العسكرية والنائب العام خاصة فيما يتعلق بالقضايا المتهم فيها الرئيس المعزول د. محمد مرسي.

 

ماذا سيضير النظام من اغتيال النائب العام؟

 

سيبدو في مظهر النظام الضعيف الذي لا يستطيع حماية أركان حكمه وشخصية بثقل النائب العام، وسيشعر قطاع القضاة الذين ألقوا بثقلهم خلفه ضاربين بشروط النزاهة والحيادية عرض الحائط، وكان عندهم من الجرأة إصدار أحكام إعدام جماعية بدون أي منطق قانوني بأن النظام لا يستطيع حمايتهم مما سيؤثر بالسلب على أدائهم في خدمة النظام.

 

ماذا سيستفيد النظام من اغتيال النائب العام؟

 

لا يمكن لأي مراقب إلا أن يعترف بأن النظام العسكري الحاكم في مصر قد تميز بالذكاء في استثمار جميع العمليات التي تمت ضده كمبرر للتوحش في القمع لمعارضيه، ودائما ما يقلب المائدة في مسألة مسؤوليته أو فشله.

 

فجميع عمليات سيناء كانت عملية واحدة منها كفيلة في أي دولة محترمة بإقالة وزير الدفاع، ولكن إعلام النظام ينجح دائما في تحويل الأنظار إلى مظلومية الجنود القتلى ومسؤولية جماعة الإخوان المباشرة أو غير المباشرة عن ذلك، على الرغم بأن المنفذين (ولاية سيناء) يكفرون الإخوان ويعتبرون (د.محمد مرسي) طاغوتًا.

 

كما أن النظام مقبل على موسم إعدامات يريد أن ينجزها، ويحتاج لمبرر على الأقل أمام الغرب لسرعة التنفيذ ليبدو في صورة المدافع عن نفسه وليس الجاني.


وإن تكرار الحوادث (الإرهابية) قبل كل حدث كبير أو دعوة للحشد أو قرارات مفصلية لم يعد أمرًا مثيرًا للشك، بل باعثًا على اليقين أن هناك من يدبر أو يحيك هذه الأحداث من داخل النظام.


التصفية بدون محاكمات والتأسيس لمرحلة جديدة

 

في إطار ما يسمى بالقانون والدولة تم قتل ما يزيد على أربعة آلاف شخص واعتقال أكثر من أربعين ألف معارض، والحكم بالإعدام على ما يقرب من ألف وخمسمائة متهم.

 

وبالرغم من ذلك يرى قائد الانقلاب أن يده مغلولة و(القوانين تكبلنا)، ولذلك فبعد اغتيال النائب العام بدأت عمليات التصفية المباشرة باستهداف مجموعة من قيادات الإخوان بمدينة السادس من أكتوبر (لجنة إعاشة أسر المعتقلين)؛ ليدشن النظام العسكري مرحلة المليشيات المسلحة التي تعمل خارج إطار الدولة والقانون وترتدي زي الشرطة والجيش.

 

 

الخروج من نفق الفشل

كان الرئيس السابق حسني مبارك يلقي باللائمة دائما في عدم تقدم البلاد على الشعب وزيادته السكانية (أعملكم إيه بنعمل تنمية والزيادة بتاعتكم بتاكلها).

 

ويمثل الفشل الاقتصادي والسياسي للنظام أزمة مؤرقة إذ بعد كل هذا الدعم من الخليج والمساندة من الغرب لم يتحرك الاقتصاد للأمام خطوة واحدة، وحتى معدلات النمو جاءت نتيجة لرفع الدعم مما يشكل ضغطًا على المواطن المصري (أكثر من نصف السكان بمصر يصنفون فقراء)، وبالتالي الفشل في هذا المجال غير متحمل ويحتاج النظام إلى قنبلة دخان أو منفذ لإلقاء التبعة على غيره أو اصطناع معركة ينتصر فيها.


(ولا شيء يجيده العسكر أكثر من القتل).

 

العقبة الكؤود

 

 

كما أن العقبة الكؤود أمام السيسي (قائد الانقلاب) هي في ذلك الرجل الذي لم يتنازل حتى الآن عن شرعيته، وبناء على ثباته يقوم خلق كثيرون بالتظاهر للمطالبة بعودته، وفي أي ترتيب إقليمي أو دولي لإعادة ترتيب الأوراق في مصر سيكون لأنصار الشرعية الصامدين لما يزيد عن عامين كلمة مسموعة ووزن في الحسابات، وبناء عليه فيجب – من وجهة أمن الجنرال – تصفية هذه الورقة بأسرع وقت ممكن حتى يقطع الطريق على الجميع ويضمن بقاءه.

 

فصل الخطاب

 

وَقَالَ فِرْعَوْنُ:

“ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ“.

وَقَالَ مُوسَى:

“إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ”.

 

وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ التي فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ:

“أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ”.

“يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا”.

قَالَ فِرْعَوْنُ:

“مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ“.

 

صدق الله العزيز الحكيم

سورة غافر (26:29)

 

 


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد