لم يكن العامل الوحيد المثير في قضية اغتيال – شهيد الكلمة- جمال خاشقجي؛ الكيفية أو الشكل الذي حدثت به هذه الجريمة الرعناء في حق شخص محبٍ لبلاده، كان ينتقد سياسة نظامها في حدود، غيرة على مستقبل المملكة السعودية، الذي بدا لصحافي صاحب فكر ورأي واسع، وتجربة ديبلوماسية مهمة، أنه غير واضح المعالم تحت القيادة الجديدة، وما شد انتباه المهتمين؛ التفاعل الكبير مع الحدث لا شعبيًّا أو نخبويًّا، فالكل رأى أن الحاكم الفعلي للحرمين والملك المقبل لها، شاب متهور لا يدري خطورة ما يفعل، والدال على ذلك فشله في كل الأعمال التي ترأسها أو خطط لها، بداية من حرب اليمن، وتحرير المرأة من القيود المجتمعية، والتي لم تتجاوز شكليتها على الورق، وصولًا إلى المشاريع الاستثمارية المفتقرة لأي دينامية حقيقية، والرامية إلى خلق تنوع وتعدد اقتصادي بدل الاعتماد على البترول وحده، وهذا إلى جانب القمع والاستبداد تجاه الناشطين والدعاة والمعارضين، الذي ازداد مع تولي محمد بن سلمان الأمور، وتحكمه في مفاصل الدولة ومراكز القرار فيها.

يتساءل العديد منا عن سبب الاهتمام الكبير الذي حظيت به قضية خاشقجي عن غيرها من الأحداث الأليمة، والتي تسبب فيها الأشخاص أنفسهم، الجواب قد يكون تراكم مجموعة من المعطيات السلبية وطبيعة الضحية هذه المرة، نتيجة النهج السياسي الخاطئ، واختيار مسارات نهايتها مغلقة ونتائجها عكسية، ويمكن أن يكون بعضها قبل بروز ولي العهد على الساحة.

ترك دعم النظام السعودي لنظرائه العرب من المستبدين خلال مرحلة الربيع العربي، والذي كان أحد أهم أسباب إقبار ذلك الحراك الهادف لنشر الديمقراطية بأقطارنا؛ إحساسًا لدى شعوب المنطقة بالكره تجاه «خادم الحرمين» ومن يقع في دائرته، وهو ما كشف لهم في الوقت ذاته الحقائق الكامنة وراء تخلف أمتنا، وانتشار الفساد والاستبداد بها.

خلق انعدام التجربة والحنكة السياسية لدى ابن سلمان ارتباكًا كبيرًا في قراراته، فتسرعه ورعونته في اتخاذ القرارات أثبت عدم أهليته، وافتقاده لحس المسؤولية والمعرفة الجيدة بمكانة منصبه الحساس، والذي يتجاوز تأثيره الحدود الجغرافية للسعودية، وذلك إلى جانب تشتيته لوحدة العائلة المالكة وتماسكها، وتمثل ذلك في الصراع الداخلي بها، إذ رفض كثير من الأمراء مبايعة الشاب «المراهق سياسيًّا»، الذي رأوا فيه شخصًا غير مناسبٍ لتولي دفة القيادة، وهو ما دفع الأول لمعاقبتهم وابتزازهم وفرض الأمر الواقع عليهم.

وما زاد من احتقان الأمة الإسلامية وشعب بلاد الحرمين خاصة؛ السياسات التي نهجها ولي العهد، الهادفة إلى تحقيق أهداف الكيان الصهيوني بالمنطقة، بداية من التوجه نحو التطبيع الكلي والتسويق لذلك بكل ربوعنا، ووصولًا إلى الاعتراف به دولة على حساب أهلنا الفلسطينيين، وذلك في إطار مخطط رسمته أمريكا، أطلق عليه «صفقة القرن».

تبقى حرب اليمن أحد أبشع الجرائم؛ المرتكبة من طرف ابن سلمان ورفيق دربه محمد بن زايد، التي خطط لها بعشوائية، وراح ضحيتها آلاف المدنيين الأبرياء، الأمر الذي أدانه المجتمع الدولي، وتغاضت عنه الدول الغربية – صاحبة المعيار الازدواجي المتحيز والظالم- بسبب مكاسبها التجارية في هذا الصراع «بيع الأسلحة للتحالف العربي…»، لكن الحال تغير مع حادثة خاشقجي في ظل تزايد الضغوط على القوى الكبرى بالعالم من أجل التسريع في إيجاد حل، وعلى رأسها ألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا، العارفين بسوابق الرجل السيئة، التي أغضبت إحداها الدول الثلاث؛ وذلك بعد أن ساهم ولي العهد في دفع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية؛ دونالد ترامب في الثامن من مايو من هذا العام للإقدام على الخروج من الاتفاق النووي مع إيران، إذ بدا لهم أن منح الشارة البيضاء لهذا الأمير؛ لفعل ما يشاء قد تعود عليهم بالضرر وتهدم أهدافهم البعيدة الأمد.

وكان لقيام ولي العهد بمحاصرة قطر، أضرار وخيمة على صورة الأول، وعكسية في الوقت نفسه، فالإمبراطورية الإعلامية بوسائطها المتعددة، التي تتوفر عليها الثانية، تجعلها مؤثرة بسبب مصداقيتها، والشعبية، والمتابعة الكبيرة لها، بفضل سياسة خط تحريرها المتوازن، والخاضع للدقة والموضوعية لحدٍ كبير على خلاف السعودية، الغالب على إعلامها الترفيه، وإعطاء الأهمية للأشخاص لا المحتوى والمضمون في شبكة برامجها، المفتقر لما هو توعوي وتثقيفي في الغالب، ما جعلها تعد «إعلام ما قبل النوم»، نسبة لارتفاع مشاهدته خلال الفترة المسائية من كل يوم، أما الحياد فهي قاعدة يصعب تطبيقها في الصحافة بصفة عامة لدى جل المؤسسات، فالصحافي يبقى شخصًا له رأي في واقع معين بعد تمحيصه وتحليله، وذلك دون تجاوز ما هو مسموح به، فبالإمكان التعاطف مع الطرف الضعيف أو المتضرر نسبيًّا بالدلائل والبراهين، دون الافتراء على الآخر، مع تمكينه من إبداء رأيه المخالف.

ومن الملاحظ أن اهتمام الإعلام الغربي ومتابعته الحدث، خاصة بالولايات المتحدة الأمريكية، والتي كان خاشقجي كثير الظهور عليها، وناشطًا بصفة دورية على إحداها، وهي صحيفة «واشنطن بوست»؛ الكاتب بها في صفحة مقالات الرأي، ما أعطى زخمًا أكبر له، وساعد في تعريف مجتمعاتهم بالواقعة، وخلق قوى ضاغطة داخلية على حكومات بلدانهم، وفي هذا الجانب لا يمكن تجاهل الدور التركي في صنع تفاعل دولي مع الجريمة التي وقعت على أرضها، بفضل السياسة المدروسة من طرف قيادتها، والهادفة إلى عدم غلق القضية، أو الإغفال عن الآمرين بها ومرتكبيها، فانتقائيتها للتسريبات الإعلامية، واختيار الزمن المناسب من أجل التصعيد، جعلاها القائد الفعلي للتحقيقات، والرقم الأبرز في كشف المستور، وهذا لا يبدو أنه قد جاء من فراغ، فنار ابن سلمان وصلت كذلك إلى بلاد الأناضول، التي سيكون هدفها الأول لا محالة عدم اعتلاء ولي العهد كرسي الحكم رسميًّا، بعد تربصه بها وخلق مشاكل عديدة لها، أهمها محاولة الانقلاب العسكري، وأزمة الدولار الأخيرة.

يظهر جليًّا أن استمرار ابن سلمان في القيادة، لن يخلف إلا مزيدًا من الكوارث، التي لن تحتاج لأي بحث أو تحقيق من أجل كشفها، في ظل المعطيات السابقة الذكر، المظهرة لجزءٍ يسير من سقطاته المتوالية، والمهددة لأهداف المتداخلين والمرتبطين بالحكم في المملكة، فالأمور قد تخرج على السيطرة مع تصاعد الاحتقان الداخلي، والغضب والخوف الخارجي من الوقوع في مآلات غير محمودة أو محسوبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد