جرائم الامبريالة في حق الشعوب

حمل القرن العشرين في طياته أحداثًا عظيمة وانقلابات عميقة غيرت مسار البشرية وأثرت نتائجها على أجيال لم يكتب لها أن تعيشه، فلقد كان قرن الحروب الدامية والصراعات الفكرية العنيفة كما شهد صعود المد التحرري والقومي الذي عجل بدحر الاستعمار الكوكبي وأفول مده.

ولقد أججت نجاحات ثورات الشعوب الاستقلال عن الاستعمار حماسةً للتنمية وبناء بلدانها أملًا في فرض ذاتها وتدارك فواتها الحضاري ثم إنهاء تبعيتها للمستعمر، فكان الإيمان بالذات وإمكانياتها في تحقيق آمالها وأحلامها في أعلى مستوياته زاد من حدتها بزوغ زعامات وطنية استطاعت أن تشحذ الحماسة الجماهيرية إلا أن ما غاب عن الأذهان أن انحصار الإمبريالية لا يعني موتها وأنها أشبه بالبحر الهادر، فاذا كان لها جزر فإن مدها سيكون عارم عنيف وقصة إيران في عهد محمد مصدق خير تجسيد على ذلك.

ثورة مصدق قصة البداية

قصة الانقلاب على مصدق هي من النماذج الخطيرة عن الدسائس والمؤمرات الإمبريالية والتي تكشف جانبًا مهمًا من خبايا العلاقات الدولية ما بعد فترة الاستعمار وكيف تستغل الشعوب وتحرم من حقوقها وعن حجم النفوذ الذي تمارسه القوى الاستعمارية في بلدان العالم الثالث.

واجهت إيران خلال النصف الأول من القرن العشرين مناخًا مضطربًا تشوبه أزمات اجتماعية واقتصادية خطيرة، كما تعرضت لتغلغل استعماري قضى على جزء كبير من سيادتها واستقلالها حارمًا إياها من حقها في استغلال ثروتها النفطية، فعانت من تنامي الأطماع السوفياتية شمالًا والبريطانية جنوبًا، وقد شكلت هذه الأزمات محفزًا لنمو حراك سياسي وطني مهم أظهر زعامات سياسية شعبية قوية جسدها الدكتور محمد مصدق.

فبعد عودته لإيران عمل على نشر أفكاره سياسية التي بدت في معظمها استلهامًا لروح العصر، فلقد كان رجلًا قوميًا معاديًا للاستعمار يؤمن بأن أقصر الطرق للتنمية واللحاق بالغرب هي الديمقراطية وفي تحقيق التحرر الوطني وضمان حق الشعب الإيراني في استغلال خيراته وثرواته بما يضمن رخاءه، ومن منطلق منصبه السياسي بوصفه وزيرًا في عهد رضا خان الشاه فقد جسد معارضة حقيقية لسياساته الداخلية في مجال عقود النفط وللاحتكار البريطاني له، وهو ما خلق حزازات بين طرفين وتعمق التباعد بعد أن جهر محمد مصدق برفضه تنصيب رضا خان شاها على إيران لكونه انقلابًا على دستور 1906.

وفي عام 1941 عُزل رضا خان بعد أن تبين عجزه الشديد في إدارة الصراع مع الوطنيين وعُين بدلا عنه ولي عهده محمد رضا خان شاهًا جديدًا، فشكل محمد مصدق الجبهة الوطنية وأصبح رئيسًا لها ونظرًا لشعبيته الجارفة ونفوذه استطاع نيل رئاسة الوزراء سنة 1951 بعد اكتساحه الانتخابات، وفور تسلمه السلطة شرع في تنفيذ سياساته الإصلاحية حيث دشن إصلاحات اجتماعية مهمة بتوزيع بدل البطالة والقضاء على السخرة كما تم إطلاق قانون الضمان الاجتماعي ثم أعلن بعدها نيته إعادة التفاوض حول حقوق بلاده من ريع إنتاج النفط إذ كانت تحصل على الفتات فقط في 17% من عائدات النفط المُتفق عليها بنص المعاهدات المبرمة كان يحصل عليها شاه إيران وجزء كبير منها يصرف في نفقاته الشخصية وشؤون البلاط ،فاشترط على بريطانيا الحصول على نصف العائدات أسوة بالاتفاقيات المبرمة مع بلدان أخرى وهو ما يضمن حق الشعب الإيراني في ثروة بلاده، وبعد أن فشلت المفاوضات بين الطرفين لجأ مصدق لإشهار سلاح التأميم في وجه الشركة الأنجلو إيرانية للنفط وهي النقطة المحورية التي فجرت أحقاد الغرب عليه.

خيوط المؤامرة ودلالتها

تكشف تفاصيل المؤامرة على تجربة مصدق الوطنية العديد من المحددات لفهم وتفسير سلوك الدول وطبيعة أدوارها في توزيع الثروة ويمكن إسقاطها على الوضع الراهن، فلقد عد قرار التأميم الذي أقدم عليه رئيس الوزراء في تلك الفترة بمثابة تحدّ لمنظومة دولية مبنية على طبيعة استغلالية وتجاوزًاا خطيرًا للخطوط الحمراء التي رسمتها ولذلك جوبه برد فعل اتسم في البداية بالليونة الحذرة ثم قُمع بشدة في النهاية.

فبعد أن اتجه مصدق لتحدي بريطانيا بإعلانه قرار التأميم ومصادرة أصول الشركة الأنجلو إيرانية للنفط فقد كان إعلانًا لحرب اقتصادية على مصالح بريطانيا، إذ مثلت هذه الشركة دولة داخل دولة أو الحاكم الفعلي لإيران وأداة لاختراق المنطقة ورأس حربة الإمبراطورية البريطانية باعتبارها موردًا لضمان ما يقارب 75٪ من احتياجاتها من النفط وهي التي خرجت بعد حرب كونية طاحنة باقتصاد مشلول وإمبراطورية استعمارية مفككة جراء موجة الاستقلال والتحرر، فغربت شمسها بعد أن كانت إمبراطورية عظمى لا تغيب عنها الشمس.

ولذلك فحينما استشعرت خطر التأميم وآثاره السلبية على مصالحها وظفت كل وسائل قوتها الدبلوماسية لمنع نجاح هذا التوجه باللجوء لتقديم شكاية للأمم المتحدة ثم بعدها مارست الابتزاز والضغط على شركاء إيران لحظر بيع النفط الإيراني كما أرسلت بوارج البحرية لمنع ناقلات النفط من نقل البترول الإيراني لتصل بذلك إيران إلى حالة إفلاس بسبب اعتمادها الكبير في موازنتها على عائدات صناعة النفط.

وفي خضم هذا التوتر شعرت الولايات المتحدة بعد خروجه من الحربين العالميتين باعتبارها قوة كوكبية، أن استراتيجية الاستعمار التقليدي الذي جسدته بريطانيا قد تراخت، لذلك لا بد من تصفيته والحلول محله، ولقد كتب روزفلت رسالة إلى تشرشل في هذا الصدد يقول فيها:

 إننا لا ننظر بعين الحسد إلى الامتيازات البريطانية في الشرق الأوسط، ولكن لا أخفي عليك أن المتغيرات الجديدة تفرض علينا إعادة توزيع الثروة من جديد، في سبيل ذلك وضع نمط جديد في الاستعمار.

فإذا كانت الاولى إمبريالية استعمارية عسكرية وسياسية، فالثانية الأمريكية هي إمبريالية اقتصادية بلا استعمار وهكذا نجد أن استراتيجيتها ما بعد الحرب العالمية كان محورها تحجيم الخطورة التي تشكلها حركات التحرر الوطني على مصالحها وفي مقدمتها تجربة مصدق في تأميم صناعة النفط الإيرانية، فلقد اعتبرت ذلك قد تمردًا قد يشجع قوى أخرى على السير في نفس النهج، فإذا تملكت كل أمة ثروتها ستتغير قواعد اللعبة الاقتصادية هو ما سيقوض لا محالة أرباح شركاتها الاحتكارية وسينسف تحكمها في الاقتصاد العالمي، ولذلك تحالفت بريطانيا والولايات المتحدة للقضاء عليه بضرب شرعيته، حيث كلفت أحد قادت مخابراتها وهو كيرمت روزفلت بالإشراف على هذا الملف، فطار هذا الأخير إلى إيران محملًا بملايين الدولارات، حيث شن حملته التحريضية على مصدق مستعينًا بالإعلام الفاسد والمخربيين الذين ادعوا بأنهم من أنصاره لضرب شعبيته ووسمه بالفوضوي والتخريبي.

ثم استعانت بالجيش الإيراني في شخص محمد رضا خان شاه إيران لتدبير الانقلاب العسكري على مصدق، حيث قصف قصره الرئاسي ثم أجبره على تسليم نفسه ليفرض عليه الإقامة الجبرية بعد أن أعدم وسجن العديد من كبار مساعديه، وعلى إثر ذلك أعلن شاه محمد رضا حاكمًا مطلقًا لإيران لتكتمل بذلك فصول دامية في تاريخ إيران الحديث، حيث أسس الأخير نظامًا ديكتاتوريًا بامتياز أجهز على مكتسبات وحقوق الشعب الإيراني الذين عاشوا تحت عهده في حالة رعب دائم من بطش أجهزته الأمنية كما أرسى دعائم لعلاقة تبعية عمياء للولايات المتحدة الأمريكية جعلت منه وكيلًا ذليلًا لمصالحها إلى أن أطاحت به الثورة الإسلامية سنة 1979.

ومع إغلاق قوس تجربة مصدق الوطنية فقدت إيرلن تلك المكانة التي امتازت بها فتحولت إلى مجرد تابع فاقد للسيادة وللقرار المستقل وما حدث فيها تكرر مرات أخرى في مصر الناصرية حينما مارست القوى الإمبريالية عدوانا عسكريًا عليها بعد تأميم قناة السويس ثم بعدها بعقود قليلة في أمريكا اللاتينية تورطت الولايات المتحدة في تدبير عدة انقلابات عسكرية،لعل أشدها دموية ذلك الانقلاب الذي حصل في التشيلي بقيادة الجنرال بينوتشي على الرئيس اليساري سالفادور أليندي، وكذلك في حالة نيكارغوا حينما مولت ميليشيات الكونترا لإسقاط نظامها الحاكم اليساري.

تكشف قصة الانقلاب المدعوم على مصدق طبيعة تلك الاستراتيجية الناظمة للقواعد العلاقات بين المركز المهيمن والأطراف التابعة القائمة على حرمان الشعوب من ترواثها ومواردها، وكيف أن موجة استقلالها لم تكن إلا تكتيكًا للتخلص من تكاليف الإخضاع العسكري والسياسي، وبالتالي فهو استعمار جديد مبني على انفصال لا استقلال فيه أو تحرر تسيرها نخب فاسدة عميلة تستمد شرعيتها من ضمان مصالح القوى العظمى التي تمنحها صلاحيات القمع ومصادرة الحقوق الشعب، أما إذا انبثقت أنظمة وطنية تحررية فالعصا الغليظة في انتظارها لمعاقبتها وشواهد ذلك متعددة منها الحرب على العراق ثم تدخل الناتو في ليبيا والحصار الاقتصادي الحالي على فنزويلا الذي أوصلها إلى حالة الانهيار الاقتصادي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد