هل فكرت مرة في أن تغتال أحدهم؟ هل فكرت حقًا ماذا يعني بالفعل الاغتيال بالنسبة لك؟

في الماضي وعلى مدار السنين اعتبر البعض الاغتيال رمزًا من رموز الثورة أو عدم الرضا عن شخص أو كيان ما (فأحيانًا الاغتيال قد يستهدف كيانًا بذاته).

في الواقع إذا توقفت في محرك بحث جوجل ستحصل على أهم الشخصيات التي تم اغتيالها وأسباب اغتيالها ولكن هل فكرنا في رمزية عملية الاغتيال.

 

في البداية قابيل يقتل هابيل: تبدأ القصة التي أصبحت سنة تُتبع حتى عصرنا الحالي في الغيرة (الغيرة والحسد أول الخطايا السبع والتي أخرجت الشيطان من رحمة الله فلولا غيرة إبليس من أدم لما كان إبليس خرج من رحمة الله)!

 

تبدأ القصة المعتادة بأخٍ تميز في كل شيء بينما أخٌ آخر فشل في كل شيء وبدلًا من أن يسلك طريق أخيه أو يهتدي بهديه يبتكر الأخ الحل “الأسرع” والذي ستتخذه أجيالٌ فيما بعد ألا وهو “الاغتيال”، يغتال قابيل هابيل وبهذا سُطرت أول وأكبر حرب في تاريخ البشرية وأكبر عدد من الضحايا والذي مثل حينها سُدس سكان الأرض.

 

وفي رأيي أعتبرها أكبر حرب لازالت قائمة فقد وضع قابيل قاعدة جديدة وهي الاغتيال الرمز فيها التخلص من وجود خصمك.

 

ربما في عقلية العصر الحجري التخلص الجسدي من خصمك كان الحل الأسرع والأسهل إذ أن لا وسائل إعلام ستتناقل حادثة قتله ولا كُتب ستكتب عنه كل ما ستتناقله الأجيال حكايات شفاهية مالم يؤكدها نص مقدس تختفي الفكرة وتذوب.

في الواقع إن أقدم اغتيال في الوجود كان اغتيال قابيل لهابيل ولكن تبعه من الاغتيالات الكثير، كاغتيال فيليب المقدوني والد الإسكندر الأكبر واغتيال يوليوس قيصر الإمبراطور الروماني وخلافه، لكن واحدًا من أهم الاغتيالات التي لم نتوقف كثيرًا عندها كان اغتيال الرسول يحيى.

فالدافع هنا كما تقول الروايات هي غريزة الشهوة (الخطيئة الثانية) الشهوة التي قادت الملك لقتل النبي يحيى لأنه الوحيد الذي عارض زواجه من ابنة أخيه (وفقًا لبعض الروايات) أنا لا أوثق تاريخيًا للواقعة فقد وثقت في كثيرٍ من المصادر ولكني أستنبط منها رمزيتها (التعدي على المقدسات في سبيل شهوة الملك) ربما بهذا الاغتيال وضع الملك قاعدة جديدة : “لا أحد يجرؤ أن يخالف الملك حتى ولو كان نبيًا أو قديسًا!” ربما قد تنقلب الطاولة فنرى من يمارس الاغتيال مسيحيًا!

 

كما حدث للفيلسوفة الشهيرة هيباتيا والتي مارست الكنيسة ضدها واحدة من أبشع الاغتيالات السياسية (ودعنا نوثق هنا أنه كان اغتيالًا سياسيًا لا دينيًا وذلك لأن البابا كان يخشى من سطوة هيباتيا واستثارها لقلوب الناس مما رآه صرفًا للناس عن سلطان الكنيسة).

ربما بعد ذلك من أشهر اغتيالات الكرسي الرسولي (في الواقع أنا لا أعتبر الإعدام المسيس سوى اغتيال لأنه كما سبق وعرفت فالغرض من الاغتيال قتل الفكرة و إخفاؤها) كان اغتيال: بومبونيو ألجيريو (في 22 أغسطس 1556).

 

كان ألجيريو مجرد طالب قانون مدني وحقوقي بإيطاليا عندما تعارض مع الكنيسة وأنكر سلطة البابا الروحية (في الواقع قد يبدو أمرًا عاديًا فقائمة من أعدمتهم الكنيسة بتهمة الهرطقة طويلة ولربما لولا تدابير القدر لكان جاليليو جاليلي العالم المشهور مدرجًا فيها!).

 

في الواقع أن اغتيال ألجيريو يرمز لبداية جديدة من تاريخ الاغتيالات وهي الاغتيالات الدينية والتي كانت ربما بدأت قبل ذلك بمائة عام تقريبًا كانت محاكم التفتيش تلعب الدور ذاته في اغتيال مسلمي الأندلس “المورسكيين” لنكون أدق فالاغتيالات الدينية في العصور الوسطى كانت تعني أن تغتال كل من يتخالف مع أيديلوجيا البابا أو إرادته أو إرادة الكنيسة كسلطة روحية تتحكم في العالم المسيحي!

 

وفي الواقع إذا نظرنا للاغتيالات الدينية التي قامت بها الكنيسة حتى ضد نفس العقيدة المسيحية سنجد أنفسنا أمام قائمة طويلة قد تبدأ بمسلمي الأندلس ولا تنتهي سوى بسيطرة القوات الفرنسية على الكرسي البابوي!

 

في الواقع من أخطر الصراعات كان صراع الكنيسة والعلم فهو لم يكن مبني إلا على فرض صاحب السلطة الأعلى كما حدث مع العالم الشهير جوردانو برونو الذي انتهى الأمر باتهامه بالهرطقة وإعدامه.

 

في الواقع في العصور الوسطى نضجت ثقافه الاغتيال وأصبحت تمارس بـ “احترافية” فقد نشأت جماعات متخصصة كجماعة الحشاشين وكانت بقيادة حسن الصباح مؤسس دعوة الطائفة الإسماعيلية في قلعة الموت.

 

بل إن احتراف الحشاشين وصل إلى أن حتى ملوك الصليبين استخدموهم لتنفيذ بعض العمليات ضد بعضهم البعض فيما يُعتبر نقلة جديدة في ثقافة الاغتيال فالاغتيال هنا كرمز اتسع نطاقه كالوسيلة الأسهل لإنهاء صراعات الملوك ربما تكون ثقافة قديمة جدًا كما حدث مع فيليب المقدوني ويوليوس قيصر ولكن انعكاسها في العصور الوسطى كان مفخمًا للغاية.

 

فيما سبق تعرضنا للاغتيال كفكرة ونشأة وتدرج ولكننا لم نتدرج للعصر الحالي وفي الواقع لا أحبذ أن أفند جرائم اغتيال ربما شاهدناها بأعيننا في البرامج التحليلة والأفلام الوثائقية مرارًا وتكرارًا ولكن في الحقيقة في عصرنا الحالي هناك معنى آخر للاغتيال فقد تحول من مجرد أنه اغتيال “جسدي” للفكرة فقد أصبح اغتيال معنوي.

 

في السابق كان من الممكن أن تموت حرقًا أو صلبًا فتصبح عظيمًا ويحبك الناس وقد تكون شهيد العلم وتطوبك نفس الكنيسة التي أمرت بحرقك ولكن في عصرنا الحديث إذا أُحرقت مرة أُحرقت إلى الأبد.

 

في الواقع في عصرنا الحديث ربما يكون فلاش الكاميرا أقوى من ألسنة اللهب وهي تأكل لحوم البشر المكبلين في وتد خشبي فوقها وهم يتلوون في صيحاتهم وصرخاتهم!

ربما تكون أقوى من السم وهو يأكل أمعاءك.

وقد يكون دوي الكلمة في الصدور أقوى من رصاصة جون ويلكس بوث في رأس إبرهام لينكولن.

الآن لا تحتاج للحشاشين لتغتال شخصًا ما بل تحتاج فقط لإعلاميين.

يمكنك أن تقصف بأقلامك وجرائدك وإعلاناتك ورسالاتك الخفية ألف فكرة.

كما قصفت أمريكا إيران في الفيلم الشهير 300 وكما قصفت هوليود العرب والمسلمين في عشرات الأفلام.
إن الاغتيال الآن قائمًا بأساسه على تصفية الفكرة واغتيال الزعماء نفسيًا وذهنيًا أهم الآن من الاغتيال الجسدي.

باختصار نحن في عصر الاغتيال المعنوي.

وبحسابات بسيطة وعملية لتغتال خصمك عليك بثلاث خطوات :
1- استحوذ على أقلام بعض المفكرين والأدباء ووجههم في بعض جرائدك للهجوم على الخصم.
2- أطلق دعايتك الخفية في المسلسلات والأفلام والبرامج التلفزيونية التي يتابعها العامة ضد خصمك.

3- شوه خصمك أدبيًا وخلقيًا ولك في أمريكا قدوة كما تم إسقاط كلينتون ومن قبله اغتيال ريتشارد نيكسون معنويًا.

إن الاغتيال اليوم ليس بالرصاص أو بالسيوف ولكنه بالأقلام والحروف والحل الوحيد لتتجنب الاغتيال أن تمتلك ذلك القلم الذي تتخذه درعًا وسيفًا لتنتصر سياسيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد