«ألم أقل لك إن لك صورة ذئب؟»

يتذكر نيتشه تلك المصادفة السعيدة التي أعثرته على عبقري مثل دوستويفسكي بارع في فهم النفس البشرية ووصفها، ويتذكر تلك الملاحظة النافذة التي عاينها دوستويفسكي في منفاه في سيبيريا، حيث رأى في كبار المجرمين الذين رافقوه في منفاه «رجالاً منحوتين من أجود وأمتن وأثمن خشب مما ينبت فوق الأرض الروسية»، كانت هذه المصادفة لنيتشه توكيدًا على ما سيقرره في أسفاره القوية من أن العصر الحديث هو العصر الذي اعتلى فيه الجبان ظهر الشجاع، وأمكنه فيه أن يجعل قيمة غالبة على قيمة، حينها أضحى النبل والشجاعة والغلبة والسيادة شرًا، والجبن والخور والأنانية خيرًا، كان هؤلاء المجرمون عند نيتشه أبطالاً دمغت أخلاقهم بفعل هذا الانقلاب في القيم، ومسخت صورة البطولة والشجاعة فيهم إلى صورة الجريمة.

فإن أنت بحثت في السلالة التي انحدر منها المجرم في العصر الحديث فلن تصادف في التاريخ إلا أبطاله وشجعانه وفرسانه، هذا العصر الذي حبس أخلاق البطولة في قفص قيم الخير والشر التي قررها،  وأسلم الأبطال الذين ينزعون إليها إلى سجونه ومصحاته العقلية، فكل بطولة في هذا العصر جنون، لم يفتأ نيتشه نفسه بعد أن صرخ صرخته هذه أن درج في مدارج الجنون هو الآخر.

قبل ساعتين من اللحظة التي انفتحت فيها علينا شاشة العرض مستهلة فيلم «طائفة الحشاشين»  كنت قد فتحت مجموع مقالات كتبها إشعيا برلين عام 1988 واصفـًا ملامح القرن العشرين الذي وسمته كارثتا الحربين العالميتين وما لحقهما من التوتر العالمي في ظل الحرب الباردة، ومفاد تلك المقالات أن مصائب العالم نابعة من تلك الأفكار الطوباوية التي تفترض مجتمعًا مثاليًا على البشرية أن تسعى إليه تتحقق فيه المساواة التامة وتنتفي الاختلافات والنزاعات بين الأمم، جنة الأرض التي من دخلها كان آمنا، ويرى برلين أن العالم متى نفض عنه تلك الطوباويات وآمن بنسبية الحقيقة واختلاف الأمم ونظمهم وعاداتهم فربما أمكن له أن يتوصل إلى صيغة عالمية قائمة على السلام والتوازن لا على الهيمنة والسيطرة، ومرد نقد إشعيا لهذه الدعاوى الطوباوية هو ما رآه من أثرها على اختلاف صورها في خلق نزاعات كبرى صبغت تاريخ البشرية بالعنف والدماء، لا فرق أكانت جنان السماء التي بشرت بها الأديان الكبرى، أم جنان الأرض التي بشر بها العقلانيون والتجريبيون، في هذه المقالات صرخ إشعيا في العالم أن يكف عن الأمل والإيمان، أن يقنع بالعمى والتيه إن كانت كلفة البحث عن حقيقة واحدة والإيمان بها دماء وأشلاء.

ويبدو أن صرخة إشعيا ما كانت إلا من أمل عنده في إمكان إلغاء سنة التدافع والاصطراع بين البشر، وأمل في أن تاريخ البشر يمكن أن يتحرك  مع قناعة كل أمة بأحوالها الحاضرة دون نظر في مستقبل أمجادها، دون أن يكون لها نبوءات تبشر بنهاية التاريخ والزمان عند حدود تحققها المكاني والزماني، كان نيتشه قد تنبه إلى أن التاريخ في صيرورته ما هو إلا تقدم في صورة عودة، عودة كل أمة إلى أزمان عزها ومجدها، عودة كل إنسان إلى زمان يتحقق فيه بغرائزه وطباعه كائنًا قويًا متجليًا يدوس بقدمه صورته المدجنة الممسوخة «الدودة»، فكأن التاريخ ساعة تسير في خط الزمان بدوائر مكتملة.

تروي قصة Assassin’s Creed حالة الصراع على تفاحة آدم «الإرادة الحرة» عبر هذه الوتيرة من العود التاريخي الذي لا ينتهي، ومن خلال العودة بعقل مجرم محكوم عليه بالإعدام إلى جده الحشاش في الأندلس، قصة الصراع على الإنسان وحريته، والعودة هنا إلى الأندلس- خصوصًا-  في زمن حروب الاسترداد حيث كان المسيحيون على وشك اقتحام آخر معاقل المسلمين فيها في غرناطة ليس اعتباطيًا، بل هي عودة إلى النقطة التي انتقل منها زمام التاريخ من أيدي المسلمين ليقع في يد التحول الكبير الذي تمخض عنه العصر الحديث.

كانت المهمة التي اضطلع بها نسر طائفة الحشاشين هي اختطاف تفاحة آدم «الإرادة الحرة» من فم المسيحية المتعصبة، ليضعها في حجر كريستوفر كولومبوس «عنوان العصر الحديث والعالم الجديد» هكذا يضمن أن مصير الإنسانية لن يقع في أيدي الأديان مرة أخرى.

وفي صورة من العود التاريخي الذي يختلط فيه دم الأجداد بدم الأحفاد ينتقل الصراع إلى العصر الحديث، حين يتكشف أن بوادر عودة الصراع التاريخي على التفاحة قد تبدت، بنهضة المسيحية في صورة فرسان المعبد مرة أخرى، تنتهي القصة حين تختطف التفاحة مرة أخرى في بريطانيا «ومن الملفت أن الصراع يبتدئ في بريطانيا التي شهدت مع البريكسيت نهضة اليمين المتطرف مرة أخرى».

غير أن الحشاشين يقدمون لنا في هذا السياق على أنهم حماة الإرادة الحرة أن يتخطفها صراع النبوءات والأديان هذا، وهم في صورتهم الماثلة هنا خلو من أي انتماء لجهة في هذا الصراع، هم يعيشون في الظلام بعيدًا ورمزهم هو النسر الذي يحلق متساميًا فوق رؤوس الجحافل الأرضية المتصارعة، وهم يسلمون وديعتهم للعصر الحديث في صورة كولومبوس «العلماني الليبرالي مكتشف العالم الجديد» إيمانًا بأنه موئل الإرادة الحرة وحافظها.

لكن الحقيقة المؤلمة أنه لا وجود لهذا المكان المظلم المحايد الذي يمكن أن تثوي فيه حرية الإنسان مصونة مترفعة عن هذا الصراع الأبدي ، فالتاريخ يقول لنا -وهو ما تنبه له نيتشه- إن هذه الحرية ليست إلا إرادة انصياع، انصياع لمن يحدد قيم العصر ولغته ورموزه، فهي ليست وديعة تحفظ وتستعاد، ما هي إلا صورة يختبئ خلفها صراع الأمم ونبوءاتها، تصطبغ بصبغة من يغلب.

لم يمر وقت طويل على صرخة إشعيا حتى انهارت أحلام الجنة الشيوعية أمام حلم الجنة الليبرالية، وكان أن بدأ العالم يصطبغ بصبغة هذه الجنة حيث ظهرت للعلن صورة للطوبيا لم تعهد من قبل، عالم المرجو أن تتحقق فيه المساواة المطلقة على صورتها التي تخيلها النبي العبري إشعيا في آخر الزمان، حيث «لا ترفع أمة على أمة سيفـًا ولا يتعلمون الحرب فيما بعد»، بل في صورتها التي تخيلها بولس «حيث لا ذكر ولا أنثى، لا أرقاء ولا أحرار»، جنة يأكل آدم فاكهتها المحرمة  مسرورًا مغتبطـًا، فاكهة إرادته الحرة في الحياة التي سيحياها وفي الجنة التي سيصنعها على صورته بعد أن طرد من جنة السماء.

غير أن تفاحة آدم في هذه الجنة لا تمثل حدود الشريعة السماوية التي تجاوزها فحسب، بل حدود الطبيعة أيضا، حدود غرائزه التي فطرته عليها خلقته وطبيعته، وإن كان على آدم أن يستر عورته في جنة السماء، فلا سوآت في جنة الليبرالية، بل لا آدم ولا حواء هنا، فآدم هو حواء وحواء هي آدم،  والأهم من كل هذا أنه وكما دخل آدم جنة السماء بعد أن خلقه الله على صورته، فلن يدخل جنة الأرض حتى يخلقه العصر الحديث على صورته.

يعود نسر الحشاشين ليختطف تفاحة آدم  في نهاية الفيلم، وهي في سياقنا عودة استوجبتها صيحات اليمين في أوروبا وتضعضع النبوءة الليبرالية على وقعها، لكننا لا ندري هذه المرة في يد من سيضعها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد