شوق الدرويش- حمور زيادة:

أتممت مؤخرًا قراءة رواية “شوق الدرويش” للكاتب السوداني حمور زيادة، الرواية التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية البوكر لسنة 2015، وفازت قبل ذلك بجائزة نجيب محفوظ للرواية في مصر.

الحركة المهدية في السودان، فترة تاريخية مهمة قلما تناولها الأدباء والمثقفون، ولا أنكر أنني كمهتم بالتاريخ لم أقرأ عنها الكثير، فكانت “شوق الدرويش” خير فرصة لي للبحث والتنقيب في حقبة منسية من أواخر القرن التاسع عشر.

نحن هنا مرة أخرى أمام قصة حب معقدة، فبعد “طابق 99” والعلاقة بين اللاجئ الفلسطيني المغترب والمسيحية اللبنانية، فإن “شوق الدرويش” تحكي عن علاقة حب حساسة بين بخيت منديل، السوداني المتشبع بفكر الحركة المهدية، وثيودورا الراهبة الأرثوذوكسية اليونانية التي سقطت سبية في يد أنصار المهدي بعد دخولهم إلى الخرطوم، وهي علاقة برع الكاتب في وصف تفاصيلها الدقيقة، فنجد أن بخيت يحمل في قلبه مشاعر حب عاصفة وعنيفة، ربما وصلت إلى درجة الوله بحبيبته النصرانية والوفاء لها حتى بعد موتها.

فيما كانت ثيودورا تحمل بين ضلوعها قلبًا مفعمًا بالكراهية والاحتقار لبخيت الزنجي، وأيضًا للشعب الهمجي التابع لنصاب مخبول (حسب ظنها) الذي دمر أنوثتها وحياتها إلى الأبد بعد سبيها، لكنها تشعر مع مرور الوقت بصدق بخيت، بل وتكتشف أنها غير قادرة على العيش من دونه، خصوصًا بعد محاولتها الهرب من مدينة أم درمان، ليعرج بنا الكاتب إلى قصة مريسيلة، الشابة العشرينية التي عصفت بها ظروف الحياة، فحولتها إلى بائعة هوى تحترف الدعارة، وتقع فريسة لحب بخيت، فيشتعل قلبها غيرة، لعلمها بانشغال العاشق بحبيبته النصرانية، وتصميمه على الانتقام من قتلتها، لكنها ساعدته على تنفيذ خططه بإخلاص عميق، وعالجت جراحه البليغة بعد خروجه من السجن، رغم معاناتها الواضحة بعد تأكدها من استحالة وصولها إلى مرادها.

هنا نصل إلى الشق الثاني الموازي لقصة بخيت، والذي أعتبره الأهم والأعمق، فإذا كان هذا الأخير مشغولًا بحب دنيوي، فقد اختار الشاب المؤمن حسن طريق التصوف والعشق الإلهي، وعندما انطلقت الدعوة المهدية آمن بها وصدق طموحات محاربة الكفار (المقصود بهم هنا الأتراك والمصريين والإنجليز) ونشر دين الله انطلاقًا من السودان ووصولًا إلى مصر ومكة، لكنه تعرض لحادثة زلزلت كيانه وجعلته يشك في حقيقة الأفكار التي تشبع بها وقاتل في سبيلها بكل قوة وإخلاص.

ليتضح لنا بشكل جلي محاولة الكاتب ربط الماضي بالحاضر، وصنع إسقاطات على ما نعيشه حاليًا، من انخداع للشباب بشعارات براقة عن نصرة الدين والجهاد في سبيل الله، حقيقتها حسابات سياسية يقع ضحيتها ويدفع ثمنها المسلمون بالدرجة الأولى، ولا تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى الخراب، وما السرطان الداعشي الذي يبث سمومه ويمزق أوصال الأمة باسم الدين إلا أبرز مثال على ذلك.

الرواية في مجملها زاخرة بالمشاهد العميقة والمؤثرة، سواء تلك التي تصور عشق بخيت لمحبوبته ثيودورا، أو حيرة هذه الأخيرة واضطراب مشاعرها: “أعرف أنه ضعيف يا ثيودورا.

أعرف أنه ليس حقيقيًّا. هو وهم. لكنك عنده تجدين ما يبقيك حية. كلما أنهكك ظمأ هذه البلاد تعرفين أين تجدين ماءك”، أو وصف مريسيلة الخبيرة بالرجال (بحكم طبيعة عملها) لشخصية بخيت العاشق: “يبدو الرجل كائنًا من كان ذليلًا تافهًا. أفرغ ماءه ونزع هيبته وسلطانه. يخرج لاهثًا متعثرًا لا يطلب غير الفرار. أما بخيت منديل، بخيت يبدو لها أسطوريًّا، خانعًا لمشاعر غبية إلى حد الذل. لكنه يبدو في توهج رجولته كلما بدا ذليلًا بحب”، وأيضًا تضارب مشاعرها بين الغيرة من ثيودورا والخضوع لحب بخيت عندما عالجته بعد خروجه من السجن: “لن تموت مني أيها العبد النجس. لا تقدر أن تقف. جراحك ينهشها الدود. من أجل ماذا؟

يا لك من عبد حقير. سأعالجك لأقتلك بعدها. أنت بغل. اشرب أيها الغبي. مريسيلة لن تتركك تموت”، وكذلك حيرة حسن بعد يقظته من حلم المهدوية:

“- تعبت من الدم يا عمي الشيخ.
– الإيمان اختبار يا ولدي!
– فرط الإيمان يكاد يؤدي بي إلى الكفر.
– أعوذ بالله ومهديه.
– ما عدت أريد الجهاد يا عمي الشيخ…”.

أعجبني أيضًا ابتعاد الكاتب عن السرد المباشر والتقليدي للأحداث التاريخية، الذي نشاهده في معظم الأعمال الأدبية التاريخية، بل اعتمد على تحويله إلى خلفية تتماشى مع مختلف أطوار الرواية، كما أنه استفاد من قوة لغته العربية ليخرج لنا عملًا متماسكًا بعيدًا عن الركاكة اللغوية التي أصبحنا نعاني منها في عدد كبير من الأعمال الروائية المعاصرة.

لم أحبذ فكرة التلاعب بأزمنة الأحداث بين بداية الرواية ونهايتها، وهي العادة التي درج عليها بعض الروائيين، الذين يبدؤون الرواية بنهايتها قبل العودة إلى البداية، فرغم تركيزي مع الأحداث إلا أنني شعرت أحيانًا بضياع الخيوط من يدي، كما أتعبتني أجواء البؤس والكآبة التي سيطرت على بعض المشاهد.

على أية حال، يبقى “شوق الدرويش” عملًا روائيًّا متميزًا استحق مكانته بين الروايات الستة المتنافسة على جائزة البوكر لهذه السنة، زاخر بالمشاهد المؤثرة والأحداث التاريخية التي شجعتني كما قلت في البداية على العودة إلى هذه الفترة المنسية من نهايات القرن التاسع عشر، كما أن قوة اللغة العربية وعمقها هنا، تجعلني أنصح عشاق قراءة الروايات الخفيفة أو “اللايت” بتجنب “شوق الدرويش” لأنها سترهقهم بكل تأكيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد