كم من إنسان منا لم يصل إلى ما عمل واجتهد، وسهر وأفنى الوقت من أجله بسبب المحسوبية التي وَضعت أشخاصًا في غير أماكنهم؟ وكم منا ومنكم من هُمِش رأيه، وحذفت قراراته، فقط لأنه كان أصغر سنًا من الحاضرين؟ وكم من شخص تزوج وهو لا يعرف معنى الزواج، أو تحمل المسؤولية، فأفضى الأمر إلى ما لا تُحمد عقباه؟ كم من حربٍ اندلعت في العالم، وكم من أرواحٍ أُزهقت بلا سبب، فقط لأن قرارًا صدر من رويبضة؟ وكم من كذا وكذا؟!

ربما قرأنا جميعًا فيما مضى عن ضياع الأمانة، وإسناد الأمور إلى غير أهلها، لكن قليلًا ما نعرف شيئًا عما ترتب عن ذلك من نتائج عكسية لم تعد بنفعٍ، ولم تسم إلى غاية. فمن المؤكد أنه لا مفر للإنسان من الوجود في تجمعات عديدة، ولقاءات مختلفة تملأها خلافات في وجهات النظر، وتضارب في القرارات، وتفاوت في القيم والمبادئ، لكننا ربما لا نلتفت إلى تلك اللقاءات والتجمعات وما تؤول إليه، طالما كان الجمع من أهل الخبرة، وأصحاب الحكمة، ومحال الثقة. أما إذا كان الموجودون على إحدى القضايا من غير أهلها فهي الفاجعة الكبرى؛ وذلك لأن النقاش لن يُفضي إلا إلى اتساع الهُوّةِ بين طرفي النزاع الذي سيتحول إلى خلافٍ شديد، كل ذلك بسبب أنهم ليسوا أهلًا للمشورة ولا لصلاح الرأي.

فلما أُسند الأمر إلى غير أهله، أصبح المسؤولون عن العلماء ممن لا يعرفون معنى العلم ولا يقدرونه حق قدره؛ فضاعت هيبتنا بين الأُمم، وتدنى مستوى التعليم، فاندثرت عصورنا الذهبية التي كنا عليها. وصار مديرو الشركات والمؤسسات من الذين لا يفقهون شيئًا في التعامل مع الناس؛ فباتت قرارتهم تعسفية لا تنظر إلى أحوال المرؤوسين فأتعبتهم، ولا تراقبهم بعين الرأفة أو الرحمة فولدت فوهات من لهب بين طبقات العاملين. لك أن تتخيل أن وضع الشخص في غير محله هو كوضع الحليب في خزان وقود سيارتك لأنك لا تطيق رائحة العادم، لن يكتفي الحليب بإيقاف سيارتك عن الحركة؛ بل إنه سيصيب محركها وأجزاءها الداخلية بما يضمن ألا تقوم لها قائمة مرةً أخرى. ولا يكن وضع الأشخاص في غير أماكنهم إلا بالرشوة والمحسوبية، وكثرة الزبانية الذين يعتقدون أنهم يوفرون تعبًا على عزيز، أو يساعدون ابنا أو قريبًا بمكالمة هاتفية، أو توصية شفهية، أو حتى توقيع زهيد يساعد حامله ويضر بمجتمع كامل. فقط لأنهم لا يلتفتون إلا لمصالحهم الشخصية والمشتركة، فتؤول الأمور والمراكز لغير مستحقيها.

ومن أهم المواقف التي أوكلت الأمور فيها لغير مستحقيها:

التنازل عن عرش مصر

لما كان الضباط الأحرار في حيرةٍ من أمرهم على من الذي سيعلم الملك فاروق في أمر الانقلاب، كلفوا مستشارًا لهم اسمه سليمان حافظ. وكانت مهمته بسيطة تتلخص في الذهاب إلى الملك فاروق في الإسكندرية طالبًا منه التوقيع على خطاب التخلي عن العرش دون تغيير في الصيغة التي كُتب بها الخطاب. فذهب إلى الملك وقدم له التحية، ثم أخرج الخطاب الذي كان يحمله؛ فقال الملك باندهاش شديد:

إيه ده كمان؟

فقال سليمان: إنه خطاب التنازل يا مولانا.

الملك: وما المطلوب؟

سليمان: مطلوب التوقيع عليه فقط.

الملك: أين أوقع؟!

سليمان: في أي مكان تحت السطر الأخير.

فأخرج الملك قلمًا ذهبيًّا كان قد تلقاه هديةً من ملكة اليونان حينها، ووقع أعلى الصفحة بدلًا من أن يوقع أسفلها. فأخذ سليمان الخطاب شاكرًا وقدم التحية للملك وهم بالانصراف، وما إن رأى توقيع الملك حتى استدار مرةً أخرى قائلًا: أعتقد أنه مطلوب من جلالتك توقيعًا آخر. وقد كان السبب أن يد الملك قد اهتزت أثناء التوقيع، لكنه لم يسأل عن السبب، كما أن التوقيع قد كان واضحًا جدًّا، وارتعاش يد الملك هي أمر طبيعي في حدث مهم كهذا ولا يعكس إلا الحالة النفسية التي كان عليها الملك وقتها. أما سليمان لم يستطع أن يسيطر على أسلوب وشخصية الموظف العام في الشهر العقاري داخله؛ فطلب من الملك توقيعًا آخر نظرًا إلى اهتزاز التوقيع. وقد كانت هذه أول مرة في التاريخ يوقع فيها ملك على وثيقةٍ واحدة مرتين. كل هذا لأن سليمان حافظ لم يكن على المستوى المطلوب الذي يرتقي لأمرٍ جلل كهذا، فأثرت عليه شخصية الموظف خوفًا من الطعن في التوقيع الذي أتى به.

وفي حادثةٍ أخرى كان الشاعر الروسي بفتشنكو ضيفًا في بيت السيناتور كيندي، وأثناء احتساء الشامبانيا سأل الشاعر السيناتور قائلًا: هل أشرب الشامبانيا على طريقة الروس أم على طريقة الأمريكان؟ فرد السيناتور سائلًا: وما طريقة الروس؟ فرد الشاعر: يجب تحطيم الكؤوس على الأرض بعد شرب الشامبانيا. فصرخ كيندي قائلًا: لحظة من فضلك، فيجب أن أسأل زوجتي أولًا إن كان بالإمكان تحطيم الكؤوس بعد شربها أم لا؟ فتعجب الشاعر الروسي قائلًا: كيف لرجل بهذا الغباء أن يصبح رئيسًا لأمريكا؟!

ربما نظر البعض إلى تلك الأمور على أنها سخرية مضحكة، لكنك لو نظرت لما ترتب على تلك الأحداث فيما بعد لأيقنت كم أن إسناد الأمور لغير الأكفاء بها هو أمرٌ لا يفضي إلا إلى فوضى عارمة. لك أن تتخيل أن مدرسًا مرتشيًا ساعد طالبًا في الامتحانات ليصبح وكيل نيابة، أو طبيبًا أو مهندسًا، وفي أحد الأيام مرضت بنت المهندس الذي وصل إلى مركزه بالمحسوبية، فتسلط عليه بائع الدواء غالي الثمن؛ لأنه ملزم بدفع مبالغ كبيرة لرجلٍ في الجمارك للسماح لأدويته المهربة بالدخول دون فحص، ورجل القضاء المرتشي يحتاج إلى مبالغ كبيرة لمعالجة ابنه من الإدمان الذي وصل إليه، بعد أن أدخل البلد تاجر فاسد كمية كبيرة من المخدرات، بمساعدة سياسي كبير احتاج إلى المنصب ولم يعنه إلا أهل قريته، الذين ينتظرون منه التوسط في إدخال أبنائهم كليات الشرطة والحربية، ليصبحوا قادة وقيادات تأمر وتنهي في حياة شعوب كاملة، فهمشوا أمر المعلم المجتهد، والطبيب الناجح، والمهندس صاحب الذمة، بسبب الإعلام المسير الذي لا يلتفت إلا لأمر المغنيات والراقصات، فتمزق المريض الفقير، والعامل المغترب، بين هذا وذاك، لا عائل ولا معين له، فماتت الوطنية عند الناس نظرًا لضياع الحقوق، وبُيتت نيات لا تعرف الحُسنى ضد الكل، وعمّت الفوضى كل ما وطئت الأقدام، فدارت الدائرة على الجميع، وصرنا في صراع مع أنفسنا وغيرنا، فلم نحصل غاية، أو نصل إلى تقدم ملحوظ.

فكيف لك أن تنتظر حل نزاعٍ ممن لا يمتلك الخبرة؟ وأنى له أن يأتي بالكفاءة المطلوبة لاتخاذ قرارات سليمة في صالح الفرد والمجتمع؟ فبكل تأكيد لن يستطع شخص كهذا إبداء رأي سليم وبداياته فاسدة، وعقيدته هشة لا تعرف إلا الماديات والمحسوبية وتقديم المصالح الشخصية. فضيع بذلك التوقير، وتدنى مستوى الاحترام وتلاشت المبادئ والقيم، ولن يؤدي هذا بدوره إلا إلى الفساد العام الذي لا ينهيه إلا أمر جلل كقيام الساعة «لذلك لما سَأل رجل النبي –صلى الله عليه وسلم- قائلًا: يا رسول الله، متى الساعة؟ فرد النبي قائلًا: إذا وُسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». رواه أبي هريرة رضي الله عنه.
لما بات الفساد بهذه الدرجة الموحشة لم يكن مخلصًا إلا قيام الساعة نظرًا لعظمة الأمر وخطورته واستفحاله. فبالله عليكم لا تنافقوا حتى لا تعد عليكم عاقبة أقوالكم وأفعالكم، فالأمانة هي أن يحصل كل فرد على ما يستحقه دون زيادةٍ أو نقصان. فإن أدينا الأمانة، وتخلصنا من تلك الأمراض الاجتماعية، كالمحسوبية، والرشوة، وأسندنا الأمور إلى أهلها، عادت القيمة على مجتمعاتنا بجودةٍ لم نكن نتخيلها؛ لأنها باتت في أيدِ من هم أهل لها. جعلنا الله وإياكم ممن يقدرون الأمور حق قدرها. دمتم في نعيم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات