ممارسة العمل النقابي في الجزائر حق مكفول دستوريا منذ الاستقلال لجميع المهنيين والموظفين ومع التخلي عن النظام الاشتراكي وحكم الحزب الواحد بعد أحداث أكتوبر سنة 1988 جاء دستور فيفري 1989 ليكرس هذا الحق ويوسع من مجال ممارسته بعد أن سمح بالتعددية النقابية وشرع قوانين خاصة بكيفيات ممارسة العمل النقابي.

لكن ومع دخول البلد في الازمة الامنية وما تبعها من قوانين الطوارئ جعل المواطن الجزائري بصفة عامة والموظف والعامل بصفة خاصة ينأى بنفسه عن أي نشاط في المجتمع المدني بعد أن عرفت بداية التسعينات أقبالًا منقطع النظير من مختلف فئات الشعب على ممارسة العمل السياسي والنقابي والجمعوي.

لكن الاستهداف الأمني والاغتيالات التي طالت رموز الحركة السياسية والنقابية والجمعوية ساهمت في فتور الناشطين وتراجعهم بعدها جاءت فترة الحكم البوتفليقي التي فتحت أبواب الفساد على كل المجالات فساهمت في تجريف ما تبقى من تنظيمات حزبية ونقابية وجمعوية وطلابية حيث أصبحت مجرد واجهات تزين الوجه القبيح للسلطة الحاكمة وتقتات على فتات الريع الممنوح لها مقابل المساندة المطلقة لجميع مشاريعها.

كل هذا تزامن مع إجراءات غير قانونية اتخذت السلطة تمثلت في تجميد منح الاعتماد للاحزاب والجمعيات والنقابات وكل تنظيم يسعى لتقديم قيمة مضافة اتجاه المجتمع، بعد ثورة الزيت والسكر سنة 2011 قامت السلطة الحاكمة بإجراءات استعجالية لوقف عدوى الربيع العربي مخافة أن تصل إلى الجزائر وتعصف بها فمنحت الاعتماد لبعض الأحزاب والجمعيات، لكنها أبقت التجميد مضروبًا على النشاط النقابي.

في ظل هذه الظروف عملت مجموعة من زملائنا من الدفعة الثالثة والرابعة على تشكيل إطار تنظيمي يجمع شتات خريجي المدرسة فأسسوا لنا ما يسمى بالجمعية الجزائرية للمناجمنت وإدارة الصحة وهم يشكرون على مجهودهم، لكن مع تغير الكثير من المعطيات السياسية والاقتصادية والمهنية صار لزامًا علينا العمل على تأسيس نقابة مهنية لسلك متصرفي مصالح الصحة مثل بقية الأسلاك الأخرى أما مجموع العوامل التي تساعد على إنجاح هذا المشروع يمكن أن نلخصها في فيما يلي:

1- العامل السياسي : بعد حراك الشعب الجزائري في 22 فبراير (شباط) تغير السلوك السياسي للسلطة الحاكمة وانهار النظام البوتفليقي ومعه أصبحت السلطة أكثر لينًا في التعامل مع العمل السياسي والنقابي والجمعوي وخير دليل على ذلك اعتماد ثلاث نقابات جديدة، اثنتان منها في قطاع الصحة بعد تعليمة الوزير الأول القاضية برفع التجميد عن منح الاعتماد للنقابات الجديد (ظرف سياسي ملائم يجب استغلاله في أسرع وقت).

2- العامل المهني: يعتبر سلك متصرفي مصالح الصحة من أكثر الأسلاك تعرضًا للظلم والإجحاف على المستوى المهني حيث يعاني الكثير من أفراده من التعسف من قبل المدراء (في حالة الموظفين العاديين) بل وصل الأمر إلى الاعتداء عليهم وإهانتهم ( بعض المدراء) كما أن هناك إجحافًا كبيرًا في تصنيفهم في الرتبة 14 في شبكة الأجور (أغلب خريجي المدرسة حائز على بكالوريا + 6 سنوات) نجد أن الوزارة تعمل على إعادة تصنيف الصيادلة وجراحي الأسنان في الرتبة 16 لأنهم زاولوا ست سنوات دراسة، بينما أعدت برنامج تكوين بالنسبة للصيادلة الذين درسوا خمس سنوات، بالإضافة للكثير من ظروف العمل الأخرى التي يمكن للنقابة المطالبة بها ومناقشتها ورفع هذه الانشغالات للسلطات الوصية.

العامل الاقتصادي: يعرف الموظف الجزائري عموما ومتصرف مصالح الصحة خصوصا وضعية اجتماعية صعبة لاتليق به كإطار بسبب الأجر المهين الذي يتقاضاه والذي ما فتئ يتآكل بفعل التضخم والعوامل الاقتصادية المحيطة به حيث تم اعتماد آخر قانون أساسي لمتصرفي مصالح الصحة سنة 2009، أي قبل 10 سنوات من الآن مع معدل تضخمي يترواح بين 5٪ إلى 7٪ حسب الإحصائيات الرسمية أضف الى هذا تراجع قيمة الدينار الجزائري أمام العملات الأجنبية حيث تم تقدير سعر الدينار مقابل الدولار سنة 2009 بـ75 دينار مقابل دولار وبعملية بسيطة يمكننا أن نعرف أن الأجر الحقيقي للموظف سنة 2009 كان حوالي 450 دولار شهريًا بينما أجره حاليًا يقدر بـ280 دولار إذا علمنا أن سعر الدولار قد بلغ 120 دينار بسعر البنك (حتى لا نتحدث عن السوق السوداء) وهو ما يعني أن الاجر الحقيقي قد تراجع للنصف تقريبًا مع موجة الغلاء التي مست كل أوجه الحياة مقابل ثبات الأجر الأسمى الذي أصبح لا يكفي لضمان حياة كريمة للإطار.

في جملة واحدة جامعة يمكن القول إن جميع العوامل السابقة أصبحت تفرض علينا الإسراع في إنجاح هذا المشروع النقابي الذي سيكون الوسيلة المثلى للسعي نحو تحسين ظروف عمل متصرف مصالح الصحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد