إذا أمكننا إطلاق توصيف على ما يجري حاليًا بالمغرب عقب تشكيل الحكومة أخيرًا وانتهاء ستة أشهر من الفراغ السياسي، فإن استعارة الدهشة كشعور إنساني على حقل السياسية سيكون مجديًا إلى حد بعيد من الآن فصاعدًا.

فلم تكن صدمة عبد الإله بنكيران، الذي انتهى كلامه، رئيس الحكومة المعفى، بقدر دهشة خلفه سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة المعين الذي، ابتدأ كلامه، بعد استقباله من طرف الملك، وتعيينه لخلافة زميله في الحزب بتعبيره عن دهشته: احترموا دهشتي، وهو يخاطب الصحافة.

تلك الدهشة السياسية التي وإن كان بنكيران قد تمالك نفسه، ورضخ للأمر الواقع في نهاية المطاف، واتضح أنه استوعب الدرس متاخرًا، بعد ظهور النتائج، وسقوطه في الامتحان، بالرغم من اجتهاده السياسي الذي لم يكافأ عليه من طرف الأستاذ، وتعرض مقابله لنوع من الإهانة، هي نفسها التي قال: إن المغاربة يتعرضون لها بمناسبة تعثر المفاوضات من أجل تشكيل أغلبية حكومية كان سببها حزب التجمع الوطني للأحرار وزعيمه الجديد عزيز أخنوش.

فالإسلاميون الإصلاحيون المتصدرون لنتائج الانتخابات التشريعية كانوا ربما – افتراضًا – يعتقدون – عن حسن ظن – أن الملك سيقف إلى جانب زعيمهم بنكيران، بدعوى أنهم كانوا على حق، وأنهم أصحاب شرعية انتخابية، وبدعوى أنهم عبروا عن ولائهم للملكية غير ما مرة، في أزمته مع أخنوش، وبالتالي ضد محيطه، فؤاد عالي الهمة، وعزيز أخنوش، ووزارة الداخلية، وقوى التحكم، والدولة العميقة … لكنهم تفاجأوا وصدموا من خبر الإعفاء، وهذه الصدمة خلقت رجة وانقسامًا وسط مناضلي الحزب، بين مؤيد ومعارض، ومتحفظ، وجعلهم بعد ذلك يتخلون ويضربون عرض الحائط كل الشروط التي طبعت مرحلة التفاوض بين بنكيران والأغلبية المحتملة، وما أدت إليه من بلوكاج، لقد استوعبوا الدرس أن الملكية ما تزال مرتابة من استقلاليتهم الحزبية، وأنهم ما يزالون يشكلون تهديدًا، بالرغم من الرسائل الإيجابية، إن الملك يريد الاشتغال معهم، والسلبية إعفاء زعيمهم المزعج لأركان الدولة.

بالرغم من أن آثار الصدمة والدهشة كانت بادية على بنكيران، وهو يدلي بالتصريح الذي عقب اجتماع الأمانة العامة لحزب القنديل مباشرة بعد صدور بلاغ الديوان الملكي المتعلق بالإعفاء أو الإقالة أو إنهاء التكليف، إلا أنه بعد ذلك تقبلها على مضض، وسلم بها في نهاية المطاف، وتكتم عن أسبابها وأسرارها ومبرراتها وخلفياتها ضمن الأشياء التي لن يفصح عنها، لا لمناضلي حزبه، ولا لعموم المغاربة، ولقد خلقت ارتجاجًا في صفوف الحزب ومناضليه وهم يترقبون انعقاد مجلسهم الوطني لتدارس النازلة، أو كذا اختيار من يخلفه قبل أن يفاجأوا بخبر اختيار سعد الدين العثماني لتشكيل الحكومة.  دهشة هذا الأخير بعد الاستقبال الملكي التي لم ينتبه لها أو يقف عندها جموع المحللين من داخل الحزب أو من باقي الأطياف السياسية الأخرى، والذي كان البعض يعتقد أنها ليست سوى تعبير عن بداية بلوكاج حكومي آخر خصوصًا وأن بلاغ أمانة الحزب قد أكد على التشبث بالشروط التي قادت المفاوضات الأولى المتمثلة ضمنيًا في الأساس بعدم الرضوخ لاشتراطات أخنوش، وبإشراك الاتحاد الاشتراكي في الحكومة المزمع تشكيلها.

فبين صدمة بنكيران ودهشة العثماني، فإن توالي الأحداث واستئناف المشاورات والمفاوضات كشفت أن دهشة العثماني السياسية جعلته يخبط خبط عشواء، ويرتجل في تشكيل حكومته، إما بإيعاز منه، أو بقبوله هندسة حكومية جاهزة مبالغًا فيها، وكانت تنبئ بتراجعات خطيرة ذكرتنا بتلك التي حدثت عقب انتخابات 2002، بل هي أسوأ، وذلك دون الرجوع للأمانة العامة لحزبه، هذا ما عبر عنه حامي الدين القيادي في العدالة والتنمية، بالرغم من أنه كان محاطًا بنخبة من قيادة حزبه، إلا أن التشكيلة الحكومية النهائية كشفت بما لا يدع مجالًا للشك بأن العثماني لم يقُد المفاوضات، بل المفاوضون هم الذي قادوه لتشكيل حكومة، يكون هو في مقدمتها، فقد تم تهميش وزراء حزبه عن الحقائب الوزارية الوازنة والأقطاب المهمة، وتم فرض شخصيات حزبية وغير حزبية، وتكنوقراطية، ومعادية للحزب المتصدر في انتهاك صارخ لنتائج الانتخابات، وميولات الناخبين، بالرغم من أن السيد العثماني قد عبر، من جراء الدهشة دائمًا، وبغرابة، أن حكومته تعبر عن إرادة الناخبين، في تجل للدهشة التي صاحبته منذ البداية، وفي انبطاح وتنازل لم يقبل به سلفه بنكيران أثناء مفاوضاته، بالرغم من تنازله في النسخة الثانية من حكومته لنفس الحزب مع تبديل قيادته بعد خسارته المدوية في انتخابات 7 أكتوبر (تشرين الأول)  في تعبير عن إرادة الأقوياء، وإرادة غير المنتخبين، وارادة منطق اللاسياسة، كل تلك الإرادات أخرجت لنا الحكومة الثانية والثلاثين للمملكة المغربية: حكومة الدهشة، حكومة تحمل توقيع حزب العدالة والتنمية الإسلامي.

فهذه الحكومة جاءت من جراء اجتماع دهشة تعيين العثماني، بدلًا عن بنكيران، إضافة إلى دهشة الدولة من انتصار حزب العدالة والتنمية في الانتخابات، وتزايد شعبيته وصموده أمام الإكراهات والمعوقات.

تلك الدهشة لم تصب بنكيران أو العثماني أو حزب العدالة والتنمية وأنصاره فقط، بل أصابت التجربة الديمقراطية برمتها، وأنصار الربيع المغربي، وأصابت الحالمين والمتفائلين بتناوب جديد، والمؤمنين بالاستثناء المغربي دهشة ستستمر وستصيب الجميع، دهشة سوف تنعكس على الممارسة السياسية بالمغرب، وسوف يكون لها ما بعدها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد