دهشة. تلك النظرة التي تنطبع على الوجه وتطل من العيون فجأة، نظرة تمزج بين فضول لا نهائي وحفيف من الخوف أو القلق من مجهول آت أو يستعصي على التفسير والمنطق. للطفل والطفولة دهشتها الخاصة، ثم تتباين الدهشة قوة وضعفًا بتقدم العمر، ليظل الإنسان الخالص النقي هو من يندهش ويحافظ على دهشته رغم تعاقب السنين عليه وطعونه في العمر. وأعظم أنواع الدهشة التي يلاقيها الطفل عندما يرى القطار مقبلًا أو غاديًا أول مرة. لتظل ذكراه قابعة مستقرة بأعماقه.

كان يجمعني بزميل أثناء الدراسة الجامعية هواية من نوع غريب؛ إذ كنّا نقضي بعضًا من وقت الفراغ للذهاب لمحطة القطار الرئيسة، وكنت بشكل خاصّ مهووسًا بمتابعة القطارات الغادية والرائحة، وحصر عرباتها عدًّا ونوعًا، وأذكر أن لدخول القطار للمحطة هيبة من نوع خاص، إذ تئن الأرض من وطأة إقباله فترتجف الأفئدة وتثور عواصف خفيفة وتضطرب الأرض قليلًا كما لو كانت توحي بقدوم ضيف ثقيل الحجم والوجود.

وللقطار سواء ركبته واستويت بداخله أو راقبته من رصيف المحطة من الخارج تأثير معنوي يتجاوز كيانه المادي وحجمه المخيف، يذكّرك بالحياة في رحلتها محدودة المدة. فلا بقاء بالداخل أبدًا وحتمًا سيأتي يوم تهبط بمحطة ربما لا يكون لك خيار في اختيارها.

بداخل القطار ستجد عالمًا صغيرًا كأنموذج للحياة بكاملها، حياة مفعمة تنظر إليها تحسبها حقيقة مقيمة بينما هي قائمة أبدًا ودائمًا على التأقيت. وما أشبه الإنسان بالقطار فخلاياه تموت يوميًا ويتبدّل جسده بصورة دورية كما لو كانت ركّابًا يهبطون في محطّاتهم ويظل القطار كما هو بوجوده تحسبه ثابتًا مستقرًا بينما يمر بالحياة مر السحاب في السماء.

ودائمًا لركوب القطار مذاق خاص في السفر. يزداد الشغف به في المسافات الطويلة، حيث لا يجدي معها ركوب المواصلات العادية، وللقطار ذكريات في النفس بعيدة جدًا لعلها مستقرة في اللاوعي، فهو علامة على من رحلوا ولم يعودوا، وانتظار القطار على رصيف المحطة يذكّرك بانتظار «جودو» للمجهول الذي ربما يأتي وأغلب الظن لن يأتي أبدًا.

يخدعنا القطار في السفر، وندرك هذا الخداع، فكلما ركبناه وانطلق سرعان ما ننسى الزمن والمكان ويتوقف كل شيء كما لو كان القطار لا يتحرك، ولا ندري بحركته إلّا باضطراب عارض يعتري الداخل أو الخارج، وقتها نقارن وضعنا بالقطار وبما يحدث حولنا وندرك أو نستعيد إدراكنا أن القطار يمضي وربما يُهرع في سيره لمحطته المقصودة.

كذا العمر يمر بك ولا تدرك بداخلك أنك تقدّمت في العمر ودائمًا ترى فيك ذاك الطفل المتمرد المندهش إلّا بعد أن تقارن نفسك بحدث آخر مجاور.

أمران ينغصّان عليك عيشك وقتها أن تصحو كل يوم وتنظر في المرآة فترى شخصًا لا تعرفه موجودًا معك من لحم ودم وشحم ويحدّثك بنفس صوتك لكنك تنكره داخلك رغم كونه واقعًا مستقرًا.

والثاني أن تقابل صديقًا أو زميلًا من القدامى فتضطرب الصورة في ناظريك كحجر ألقي في بركة آسنة فأثار دوامات وحرّك راكدًا ومستقرًا منذ سنين طويلة، فترى فيه نفسك وترى ترهلًا قد أصابك وأصاب الجميع بل وربما أصاب المكان، ترى شخوصًا لا تعرفهم وربما تتشابه عليك الصور وتتمزق بين اثنين لا ثالث لهما، ذلك القابع بداخلك الذي ينكر كل شيء ويتمسك بمرحلة زمنية ولّت إلى غير رجعة، وآخر تراه صباح مساء، يلازمك ولا تملك منه فكاكًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد