بيع الفلسطيني لأرضه هي إحدى أساطير الحديث عن فلسطين والفلسطينيين، خصوصًا عند غياب أي صك ملكية يمتلكه الصهاينة للرد عن تملكهم الشرعي للأراضي في فلسطين والتي تمكنهم بشكل نهائي من إغلاق العديد من الملفات كملف المذابح واللاجئين وغيرهم ممن تضرروا بشكل مباشر جراء قيام دولة «إسرائيل» على أرض عربية تاريخيا وعرقيا.
في هذا التقرير نوضح بعض الشيء إحداثيات قيام الدولة والسيطرة على الأرض وعرض بعض المتورطين في تلك الأحداث.
صورة مخيمات لجوء الفلسطينيين

بريطانيا

كان هناك الكثير من العلاقات والترابطات بين رجال الدولة الإنجليز وبين الكثير من القيادات الصهيونية، كالعلاقة بين بلفور وليونيل روتشيلد الثري الصهيوني «طرفا وعد بلفور الشهير»، والصداقة التي جمعت بين مارك سايكس العسكري البريطاني «أحد أطراف اتفاقية سايكس بيكو» وحاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية العالمية وثاني أهم رجل صهيوني بعد تيودور هرتزل.
كان للعسكريين الإنجليز أدوار فاصلة في فرض الانتداب ومآلاته كالضابط الشهير «لورنس» والذي تناولنا مساهمته في مقال سابق من هنا
والقائد الإنجليزي «الجنرال اللنبي» الذي أنهى الحروب الصليبية وسلم القدس لبلاده كهدية في عيد الميلاد.
إبان إعلان الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1917 قامت بريطانيا بالعديد من الإجراءات التي مهدت بشكل واضح جدا لعملية إحلال اليهود محل الفلسطينيين يوما ما.

1- الهجرات

سمحت بريطانيا بعشرات الألوف من الصهاينة من كل دول العالم بالهجرة لفلسطين وبناء العديد من المستوطنات على الأراضي الفلسطينية.
من المهم هنا المرور على تقرير الحكومة البريطانية لمجلس عصبة الأمم الذي سرد إنجازات الانتداب، نذكر منها:
  • منح تل أبيب حكما محليا
  • تأسيس نقابة العمال برعاية بن جوريون
  • تسهيل ما يقارب من 35 ألف يهودي لفلسطين
  • بناء 12 مستوطنة جديدة
  • افتتاح الجامعة العبرية «بحضور هربرت صمويل وجيمس بلفور وحاييم وايزمان».

2- سحق الثورات

تاريخيا سجل الفلسطينيون العديد من الثورات الكبرى إما اعتراضا على الانتداب نفسه وسياسات بريطانيا أو رفضا للوجود اليهودي في فلسطين عموما.
أبرز تلك الثورات ثورة عام 1920 وثورة البراق عام 1929 والتي تحدثنا عنها في مقال سابق هنا
وثورة 1939 بعد استشهاد القسام والتي تخللها إضراب 1936 الشهير الذي أضر بمصالح البريطانيين في فلسطين والذي تم إيقافه بضغط من الحكومات العربية بتعهدهم أن بريطانيا ستنظر في متطلبات الشعب الفلسطيني.

صورة جنود إنجليز على أبواب القدس

تمخض عن تلك الثورة لجنة بيل التي كانت من أهم قراراتها «تقسيم فلسطين» وإقامة دولة يهودية على ثلثي أرض فلسطين.
بعدها بعام جندت بريطانيا حوالي 20 ألف جندي إنجليزي من أجل ردع أي ثورة فلسطينية مستقبلية.
صورة دخول الللنبي مدينة القدس

3- التصفية

بداية من عهد الانتداب ووصولا لعام 1948 كانت السلطات الإنجليزية قد عقدت محاكم عسكرية وفرضت أحكامًا عرفية على الفلسطينيين ومن يثبت اشتراكه في أي نشاط ثوري مناهض لبريطانيا كان يتم تصفيته بلا تردد.
كانت التصفيات تطال الكثيرين سواء بعد تأكيد التهمة عليهم أو الاشتباه فيهم أو لمجرد ردعهم؛ كانت النتيجة أن تقريبا كل الذكور مابين 15 إلى 50 عاما إما مسجونين أو مقتولين، كل من لديه القدرة على حمل السلاح كان قد انتهى أمره وذلك ساهم بشكل كبير للغلبة الصهيونية على الفلسطينيين عام 1948.
من الأسماء اللامعة في عمليات التصفية «الضابط البريطاني أوردو وينجت» الذي كان يلحق الجنود اليهود بوحداته ويدربهم عمليا على احتلال القرى الفلسطينية وتدميرها وطرد أهلها، ونظم بنفسه العديد من الغزوات الليلية على القرى الفلسطينية لقتل الشباب الفلسطينيين المشتركين سابقا بالثورة.

4- مصادرة السلاح

كانت عمليات مصادرة السلاح الفلسطيني من أسرع عمليات نزع السلاح في الـ 100 عام الأخيرة، -وساعدهم تعهد العرب للفلسطينيين بحمايتهم حال تسليمهم السلاح لبريطانيا إذا وقعت أي مناوشات – صادرت سلطات الانتداب كل السلاح المتوافر تقريبا بدءا من السلاح الأبيض وانتهاء بالبندقيات.

5- هدايا الانسحاب

انسحاب بريطانيا في 1948 لم يمر دون دعم اليهود حتى اللحظة الأخيرة، تركت بريطانيا لليهود كامل عدتها وعتادها والذي تمثل في 2700 مبنى حكومي، 50 محطة قطار، 3000كم مربع من الطرق المعبدة و37 معسكر للجيش بعضهم بالأسلحة كاملة وقطع الغيار، بخلاف عدة موانئ.
كانت نواة جيدة جدا لتأسيس دولة مؤسسات ملحقة بجيش نظامي بالإضافة للأرضي العربية التي ملكتها إنجلترا مباشرة لليهود والتي قُدرت بـ665 ألف دونم فلسطيني من خلال استغلال الثغرات في القانون العثماني وفساد الدولة وقتها.

أمريكا

لم يكن دور أمريكا أقل من بريطانيا، إبان الحرب العالمية الثانية نقل الساسة الصهاينة دفتهم باتجاه الجهة المنتصرة في الحرب.
في نيويورك وفي فندق بالتيمور صدرت وثيقة تحمل نفس الاسم مفادها إقرار الولايات المتحدة إنشاء كومنولث يهودي على أرض فلسطين.
السياسي الأمريكي باتريك هيرلي التقى بن جوريون وانتهت المقابلة برفعه تقريرا للبيت الأبيض مفاده أن الصهاينة اعتمدوا برنامجًا طويل الأمد يضمن:
  • دولة يهودية مستقلة تضم فلسطين وربما شرق الأردن.
  • تهجير الفلسطينيين للعراق لاحقا.
  • قيادة يهودية للشرق الأوسط اقتصاديا وسياسيا.
  • فتحت بذلك الولايات المتحدة الباب على مصراعيه لقادة الصهيونية من أجل الشروع جديا في تنفيذ مخططهم.
مول أثرياء اليهود حملة ترومان الانتخابية فوافق بعدها على هجرة 100 ألف يهودي لفلسطين وعلى الصعيد الآخر حصل بن جوريون على تمويل سمح للهاجاناه بتصنيع سلاحهم الخاص.

صورة مؤتمر بالتيمور

من المهم هنا ذكر قرار التقسيم عام 1947 الذي دعمته الولايات المتحده ومن أجل تمريره قامت بالضغط على كل الدول التي لها عليهم كلمة أو لهم مصالح لديها، وذلك باعتراف كل من مندوب الفلبين وجواتيمالا وغيرهم في مذكراتهم أنهم صوتوا للقرار تحت الضغط.

صهيونيا

بدايةً كان الصهاينة متمرسين في طريقتهم للسيطرة على الأرض وفي إقناعهم للآخر بضرورة إنشاء وطن قومي لليهود سواء بالطرق المشروعة أو غير المشروعة «روتشيلد ووايزمان وهربرت صمويل وبن جوريون» وغيرهم الكثيرون من النخب السياسية اليهودية التي تعلمت فنون المناورة والسياسة في برلمانات أوروبا وهذا ما افتقده العرب.
وعد بلفور كان مجرد خطاب غير رسمي بين وزير خارجية ورجل أعمال ولم يكن له أي صفة رسمية، إلا أنه وبعد صدور صك الانتداب واحتوائه على الوعد أخذ الشكل الرسمي وتصريحًا بلسان الوزارة الإنجليزية بشكل واضح.
في الفقرة الخاصة ببريطانيا تحدثنا عن التسليح الذي ضمنته سلطات الانتداب لليهود منذ دخولهم فلسطين، لكن مهمة التسليح لم تتوقف عند حماية المجتمع الصهيوني الناشئ فقط وإنما تعداها لأبعد من ذلك إذ شكلت ركيزة أساسية في حرب 1948.
بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية وصل آلاف الجنود اليهود الأوروبيين عبر موجات الهجرة لفلسطين كانوا منتصرين في الحرب وعلى دراية كاملة بأساليب القتال ومسلحين بأحدث الأسلحة وقتها ويتمتعون بتدريب عالٍ.
كانت الوكالة اليهودية وقتها قد فرضت سيطرتها إداريا وعسكريا ودعمت الهاجاناه والبالماخ والأرجون وشتيرن التي بعد ذلك أصبحت نواة مايسمى الآن بجيش «إسرائيل».
وكانت الحصيلة حوالي 70000 جندي صهيوني مقابل تقريبا 2500 فلسطيني و4000 متطوع من جيش الإنقاذ أي النسبة تقريبا عربي واحد مقابل 6 صهاينة.

ملف القرى

قبل الحرب كان اليهود قد أعدوا بحثا دقيقا سمي تاريخيا بملف القرى عن طريق تجولهم ميدانيا في القرى الفلسطينية وجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن كل قرية من حيث التعداد السكاني والموارد وشيوخها وحاشيتهم وشبابها خاصة الثوار منهم مما سهل مستقبلا من اختراق القرى والقضاء عليها وإبادتها تماما.

المذابح

من أبرز العوامل التي أرست أقدام الصهاينة على الأرض كانت المذابح وعمليات الإبادة الجماعية التي نفذتها العصابات الصهيونية طوال أيام النكبة وبعدها حتى عام 1967، المذابح لم تكن فقط وسيلة لاحتلال القرى بل كانت أداه إعلامية ممتازة في بث الذعر لدى سكان القرى المجاورة وجعلهم يهربون من قراهم لمناطق أخرى واحتلال الصهاينة لها بلا قتال.
المذابح أصلا كانت إرساء لفكر ة «الترانسفير» الصهيونية التي تحدث عنها الكثيرون من كبار الصهيونية كهتزل حين قال:«سنحاول طرد المعدمين – العرب – خارج الحدود بتدبير عمل لهم هناك، وفي نفس الوقت سنمنعهم من العمل في بلدنا»، وما صرحت به جولدا مائير: «بإمكاننا أيضًا أن نفهم مسألة نقل السكان العرب بالقوة. أوافق على خروج العرب من البلد وسيكون ضميري مرتاحًا كليًا لذلك».
أشهر تلك المجازر كانت دير ياسين التي قال عنها نصا (مناحم بيجن) قائد عصابات الأرجون وقتها: «قامت في البلاد العربية، وفي جميع أنحاء العالم موجة من السخط على ما سموه بالمذابح اليهودية، وقد كانت الدعاية تقصد إلى تشويه سمعتنا، ولكنها أنتجت لنا خيرًا كثيرًا، فقد دبّ الذعر في قلوب العرب، فقرية قالونيا التي كانت تردّ هجمات الهاغاناه الدائمة، هجرها أهلها بين ليلة وضحاها، واستسلمت بدون قتال، وهرب أهالي بيت إكسا أيضًا.
لقد ساعدتنا أسطورة دير ياسين في المحافظة على طبريا واحتلال حيفا ولولاها ماقامت دولة إسرائيل».
كانت الطنطورة أكبر مذبحة على الإطلاق من حيث تعداد القتلى حيث تجاوزوا 230 قتيلًا، وتكمن أهميتها أنها نفذت بعد إعلان قيام دولة إسرائيل بأسبوع فقط فهي أيضا كانت رسالة لمن تبقى من الفلسطينيين.
كانت حصيلة المذابح التي وصلت 80 مذبحة تشريد حوالي 800 ألف شخص ومحو 531 قرية من الخريطة تماما.
حتى عام 1948 لم يمتك الصهاينة سوى 7% فقط من أرض فلسطين والمذابح ساهمت بشكل كبير جدا في زيادة تلك الرقعة وتضاعفها.
الوكالة اليهودية ضمنت لليهود آلاف الدونمات بخلاف الأراضي التي سيطروا عليها بالمجازر فقد منحتهم 165 ألف دونم من أراضي السلطان عبد الحميد وأراضي مجهولة المساحة بصحراء النقب و750 ألف دونم على ساحل البحر الميت و175 ألف دونم على سواحل حيفا ويافا.

صورة تقلص المساحة الفلسطينية

عربيا

الدول العربية نفسها كانت راعية للمشروع الصهيوني منذ بدايته سواء بقصد أو بسذاجة، الأمر بدأ منذ استغلال بريطانيا للشريف حسين وأولاده ومرورا بإحباط العرب لإضراب 36 وترك المقاومين الفلسطين وحدهم في المعركة بلا دعم كما حدث مع عبد القادر الحسيني وانتهاء بالضعف الشديد للقوات العربية التي توجهت لفلسطين في 1948.
مجريات حرب 48 كانت دليلا قويا على ضعف العرب بشكل عام كما حدث مع سوريا التي دخلت من جهة طبريا لكنها لم تستطع السيطرة على الشريط البري حولها أو مصر التي تدخلت من الجنوب وسيطرت على 14000 كم فقط وهو نصف مساحة فلسطين الجنوبية ولم تستطيع الحفاظ عليه أيضا وفقدته ولم يتبق إلا قطاع غزة.
أو نظرتهم لمصالحهم في الأرض كما حدث مع الأردن التي سيطرت على مساحة من فلسطين مشاركة مع الصهاينة.
تسجيل الاعتراف بـ«إسرائيل» عربيا كان باكرا جدا مثل ما حدث في تأسيس الجامعة العربية وحضور «أحمد لطفي السيد» رئيس الجامعة المصرية للافتتاح برفقة وايزمان وبلفور جنبا إلى جنب.
بعض العائلات العربية كعائلة سرسق وعائلة سلام باعوا لليهود أراضيهم بشكل مباشر حين هجرتهم للخارج، باع ميشيل سرسق حوالي 1400 دونما وعائلة سلام حوالي 165 ألف دونم.

فلسطينيا

المعارضة السياسية الفلسطينية في بعض المراحل المفصلية كانت ضعيفة جدا مقارنة برجال الدولة الصهيونية، أبرز مسببات الحرب تلك على سبيل المثال كان خروج الحاج أمين الحسيني مفتي القدس قسرا من فلسطين مما أضعف الموقف الفلسطيني.
ضعف الأحزاب الفلسطينية وبنائها على أسس عشائرية عائلية كان له بالغ الأثر في رخوية الأداء المعارض للصهيونية مثل ما حدث بين آل النشاشيبي وآل الحسيني في تأسيس حزبي الدفاع والعربي.
تخلى الفلسطينيون عن أرضهم في بعض الحالات:
1- حكومة الانتداب كانت تفرض العديد من الضرائب على الفلاحين مما أدى لعجزهم عن سدادها وتراكمها فكانت تُسحب الأراضي منهم.
2- أحكام المحاكم البريطانية بنزع الملكية كانت سببا قويا.
3- الفلسطينيون أنفسهم الذين كانوا يعرفون بعمليات البيع لليهود ومع ذلك باعوا وقبضوا أثمانًا مضاعفة مقابل الأرض وكان للعملية سماسرة ووسطاء إلا أنه في عام 1935 صدرت فتاوى علماء فلسطين بالإجماع أن من يبيع الأرض فهو مارق من الدين خارج عن زمرة المسلمين ولا يُدفن معهم مما حجم كثيرا من تلك العمليات.
كانت تلك الأراضي بإجمالي 216400 دونم أي أقل من 1% مما استولى عليه اليهود.

تلك هي الحكاية الحقيقية التي خلفها الفلسطيني حين ترك أرضه منذ أكثر منذ 70 عاما تقريبا، ذلك التقرير كان مرورًا على رؤوس الموضوعات وأهم الأحداث لكن التفاصيل كثيرة ومؤلمة لم ينكرها الصهاينة أصلا  لذا وجب علينا قتل أساطير لا تكمن أهميتها إلا في التنصل من المسؤولية التاريخية تجاه تلك الأرض وهذا الشعب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد