استيقظ الجميع يوم السادس والعشرين من مارس، على أصوات طبول الحرب، فلقد دقت طبول الحرب أو الضربات الاستباقية كما أطلق عليها في اليمن ضد جماعة الحوثيين التي كانت في طريقها للاستيلاء على كامل أطراف الدولة اليمنية.

وشاركت مصر في القوات المحاربة، والحجة التي ساقها الإعلام المصري والخبراء العسكريين هي (نحن نحارب لحماية مضيق باب المندب، إذا أُغلق مضيق باب المندب ستضيع قناة السويس).

فما هو مضيق باب المندب؟ ومن المتحكم به؟ وهل تدخلت مصر في الحرب الدائرة لحماية مصالحها الاقتصادية الحيوية؟

باب المندب وهو عبارة عن مضيق طبيعي يربط بين خليج عدن والبحر الأحمر بعرض 30 كيلومترًا، ويشكل مضيق باب المندب، ومضيق هرمز، وقناة السويس – التي تشكل مصدرًا أساسيًّا للدخل للدولة المصرية- واحدًا من أهم طرق التجارة بين الشرق والغرب، حيث يمر خلالها الجانب الأكبر من التجارة الدولية، بواقع 21 ألف سفينة سنويًّا، وتقدر كمية النفط العابرة منه بنحو 3 ملايين برميل يوميًّا.
ويطل عليه عدد من الدول هي اليمن (في قارة آسيا)، وإثيوبيا وجيبوتي وإريتريا (في قارة أفريقيا)، ومن المعروف أن غالبية هذه الدول تعاني من مشكلات النزاعات المسلحة الداخلية والفقر والبطالة، والتي شكلت سببًا رئيسًا في ظهور مشكلة القرصنة منذ عام 2005، وهددت حركة السفن في المضيق، فمن الذي سيخاطر بمليارات عائمة في المياه أن تقع في أيدي القراصنة؟!

كما أن المضيق تعرض قبل ذلك لتهديد من القاعدة بالسيطرة عليه، ففي عام 2009 أعلن القيادي السعودي سعيد الشهري تهديدات بالسيطرة على مضيق باب المندب، لضمان عبور المقاتلين والسلاح من أفريقيا المضطربة إلى آسيا المهددة.
وتكرر الأمر لكن من قبل الإيرانيين هذه المرة، ففي الخامس والعشرين من شهر فبراير الماضي قامت القوات البحرية الإيرانية بمناورات عسكرية هي الأضخم في تاريخها تحت اسم الرسول الأعظم، جرت هذه المناورات الضخمة عند مدخل مضيق باب هرمز بالذخيرة الحية وبمشاركة 13 ألف جندي، لاستهداف حاملة طائرات خاصة بالعدو، وتم تدمير مجسم ضخم يحاكي حاملة الطائرات، وصرح التلفزيون الرسمي الذي بث مشاهد حية من المناورات، أن غرضها هو إثبات قوة إيران في الدفاع عن مصالحها في الخليج.

وقبل ذلك في أكتوبر 2014 سيطرت جماعة الحوثيين المدعومة من إيران والتي تصارع من أجل السيطرة على الدولة اليمنية على مدينة الحديدة وهي من أكبر المدن اليمنية، وسيطرت بالفعل على مينائها الاستراتيجي على البحر الأحمر، والذي لا يبعد سوى كيلومترات عن مضيق باب المندب.

إذًا فسيطرة الحوثيين على المضيق، تعني سيطرة إيران على أهم مضيقين في تجارة النفط العالمية هرمز، وبالوكالة مضيق باب المندب.
ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فلقصة باب المندب وجه آخر مختلف.

الوضع القانوني للمضيق:-

بدأت تظهر أهمية هذا المضيق في أثناء حرب أكتوبر 1973، حيث أغلقت اليمن حركة الملاحة به في وجه إسرائيل، وبالتالي توقف ميناء إيلات عن العمل، فلم يكن هناك منفذ آخر أمام السفن الإسرائيلية للمرور، إلا عن طريق باب المندب، مما جعل إسرائيل تنتبه لأهمية هذا المضيق بالنسبة لأمنها الإقليمي، وبالتبعية أعطى ذلك ثقل للدول الأفريقية في موازين السياسة الإسرائيلية، فقامت إسرائيل وتعقبها الولايات المتحدة بالطبع بمد نفوذهم في هذه المنطقة بشكل كبير، وسط إهمال مصري نتج عنه اضمحلال نفوذها في عمقها الاستراتيجي الإفريقي حتى تلاشى تقريبًا.

وجاءت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الصادرة عام 1988، واتفاقيتها التنفيذية الصادرة في عام 1994، والتي أصرت الولايات المتحدة الأمريكية فيها على التوسع في تعريف المضائق لتشمل المضائق التي تصل البحر الإقليمي بأعالي البحار، أو منطقة إقتصادية بالبحر الإقليمي وذلك على الرغم من عدم توقيعها عليها، وبالتالي أصبح مضيق باب المندب يخضع للمادة 20 ومادة 25 من اتفاقية قانون البحار، والتي تقر بحق المرور البريء لكافة الدول في مياه المضيق، ولا يجوز أن يغلق في وجه الملاحة الدولية، وألا يكون هناك تمييز بين الدول عند إعلان إيقاف العبور به لسبب أو لآخر.

الوضع على الأرض:-

مضيق باب المندب هو همزة الوصل بين مضيق هرمز وقناة السويس، ومحاط بعدد من القواعد العسكرية الأجنبية، وعلى رأسها القاعدة الأمريكية المعروفة باسم كامب ليمونييه في جيبوتي، والتي أنشأت عام 2001 في إطار ما عرف وقتها بعملية الحرية الدائمة للقرن الإفريقي، والقاعدة الفرنسية بجيبوتي أيضًا وهي الأكبر لفرنسا في القارة الإفريقية وبها حوالي 1500 جندي فرنسي.
ليس ذلك فحسب، فيوجد الأسطول الخامس الأمريكي المسئول عن تأمين الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر وبعض أجزاء من المحيط الهندي، ويتكون من حاملة طائرات، وعدد من الغواصات الهجومية، وقاذفات القنابل، وطائرات التزود بالوقود بالإضافة إلى 70 مقاتلة، والذي بدأ بفرض سيطرته على هذه المنطقة منذ 1993 بعد توقيع اتفاقية (التعاون الدفاعي) مع البحرين، هذا بالإضافة لدعم من قطع من البحرية البريطانية.

واستخدمت أعمال القرصنة والحرب على الإرهاب، ذريعة لزيادة أعداد القوات المتمركزة في هذه المنطقة، معززة باتفاقية الأمم المتحدة لعام 1988 لقمع الأعمال غير المشروعة الموجهة ضد سلامة الملاحة البحرية، وبروتوكول 2005 لقمع الأعمال غير المشروعة الموجهة ضد سلامة الملاحة البحرية.

الوضع الجغرافي:-

مضيق باب المندب ينقسم إلى جزأين، فالجزء الآسيوي منه التابع لليمن لا تمر منه السفن نظرًا لوجود جزيرة ميون، والتي تقع على بعد 3 كيلومترات من الساحل اليمني، وعدم وجود عمق مائي يسمح بعبور السفن، وبالتالي فالممر المائي الحقيقي للمضيق هو الممر الإفريقي المطل على جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا، والخاضع بالفعل لتأمين وسيطرة قوات بحرية أمريكية فرنسية بريطانية مشتركة، فحتى لو أغلقت اليمن الجزء الآسيوي من المضيق لن يؤثر بأي شكل على حركة الملاحة به، وبالتالي لن يؤثر على حركة مرور السفن في قناة السويس، ولا على تدفق النفط إلى الدول الغربية.

وعليه فإن الحرب الدائرة في اليمن والتي تذرعت مصر باشتراكها فيها، بدعوى حماية مضيق باب المندب المحمي بالفعل من قبل القوات الدولية، والتي سبق أن رفضت مصر نفسها الاشتراك بها في عام 2010 معلنة ذلك على لسان الفريق مهاب مميش رئيس قناة السويس إلا بقرار من الأمم المتحدة.

هي مجرد استمرار لمعركة الشطرنج الدائرة في المنطقة بين السعودية وإيران، والتي يدفع ثمنها دائمًا الأطراف الأضعف، ولا عزاء للضحايا بين رحى الحرب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد