هل شعرتَ بين الحين والآخر بعدم تماثل نصفي وجهك؛ أي وجود عين أعلى من الأخرى، أو حاجب أسمك من الآخر، أو خد أكثر بروزًا من الآخر؟

كثيرًا ما نشعر بتباينات ظاهرية في أشكالنا، لكن هل تساءلت يومًا عن السبب أو الحكمة من هذه الاختلافات.

إذن لنقرأ وجهات نظر علمية ونفسية وطبية في جلّ هذا الصدد، ولنتخلص من بعض الشكوك والتناقضات حول كيفية منشأنا، ولنكن أكثر وعيًا ودراية بعظمة إبداع خالقنا في خلقه، والأهم من ذلك أن ندرك طبيعة هذه الفروقات التي لطالما استنفرت عاطفتنا وقناعاتنا حول أنفسنا.

عدم تماثل شقيّ الوجه أو بالمصطلح العلمي «Asymmetry of facial halves»، هذه الحقيقة العلمية التي ينكرها الجميع بلا استثناء دون وجود سبب مُقنع في ذلك، مع أنه فرق بسيط جدًا ولا يلاحظ مباشرة بالعين المجردة لكنه موجود وعلينا ألّا ننكره، كما أنها فروقات خفيفة نلاحظها نحن بأنفسنا بينما لا يلاحظها غيرنا بنا، فعادةً نجد جهة من الوجه أكثر جمالًا ودقة وتبدو أكثر مثالية من الجهة الأخرى، ويعود ذلك إلى خصوصية تعابير الوجه «التماثل الفسيولوجية»، وأنا أعلم أنكم تدركون مواضع تلك التباينات جيدًا!

الوجوه غير متناظرة، فرؤيتنا لأنفسنا على المرآة قد تختلف كثيرًا عن رؤية الآخرين لنا، والتعرف إلى التباينات بين شقيّ الوجه يتطلب الكثير من الملاحظة، بالإضافة إلى التدقيق في ملامح الشخص عن كثب، ومهما ظهر أمامك تماثل وجه أحدهم فلا تخدعك المظاهر، فقارئو الوجوه المحترفون يستخدمون صورًا أمامية للشخص المراد قراءة وجهه، ومن ثم تجزئتها إلى نصفين لدراسة التفاصيل الوجهية بوضوح!

فهناك مصور أمريكي يسمى أليكس حاول أن يجد التباين بين مقطعي الوجه، وحاول أن يوضح الفروقات في الملامح بين الجهة اليمنى واليسرى؛ وذلك بالتقاط عدة صور لـ10 أشخاص من كل جهة، ومن ثم وضع الصور إلى جانب بعضها البعض لدراسة تفاصيل وجوههم بدقة. وما توصل إليه أن الجهة اليسرى عند الغالبية أكثر جمالًا وجاذبية من الجهة اليمنى، وذلك لأن الجهة اليسرى من الدماغ هي المسؤولة عن اللغة وتعابير الوجه، وهي المتحكمة بنصف وجهنا الأيسر!

وكما تشير دراسات علم النّفس الحديثة إلى أنّ السبب في ذلك هو اكتساب مزيج الصفات من كلا الأبوين، فيُرجح غالبًا أن الفرد يكتسب جانبه العلوي الأيسر والسفلي الأيمن من الأب، في حين أنّه يكتسب جانبه العُلوي الأيمن والسفلي الأيسر من الأم، وهذه السمات الوراثية لها تأثير بالغ في تركيبة الفرد؛ فكلما كان التباين واضحًا في ملامحه فإنه سيكون أكثر عُرضة للتقلبات النفسية والمزاجية، بينما إن كان هناك توافق بعض الشيء بين السمات المكتسبة؛ فمن شأن ذلك أن يجعله أكثر ميلًا للاستقرار والوضوح والثّقة الشخصية.

فمثل هذه الأمور الخلقية لا ينبغي أن تندرج تحت مسمى «العيوب الخلقية»، فالكثير من البشر يرفضون ذاتهم نتيجة هذه الثغرات الطفيفة، ويشعرون بالسخط عليها، فالعيوب تُسمى عيوبًا إن كان مصدرها جهدًا بشريًّا فعليًّا يعكس طبائع الإنسان ومحتواه، أما ما خُلق وولد فينا فلا شأن لنا به، وليس لنا الحق بأن نلوم أنفسنا على هيئة أشكالنا الخارجية، وتلك الأمور الخلقية غير قابلة للتصحيح الظاهري، ولكنها تعالج داخليًّا، وذلك إن اعترفت ورضيت بها أولًا، لترضى بذاتك ثانيًا، ولتحقق سلامك الداخلي وثقتك الجوهرية ثالثًا. تناسب شكلك اللا مثالي لا يحتاج منك سوى التصالح مع الذات ومع الخالق لتقنع نفسك بعظمة وجودك، ولتصل إلى غاياتك المنشودة المرجوة.

فَحُسن الوجه يكمن في التناغم بين تشكيلاته وقسماته أكثر مما يكتسبه من جمال كل منهما على حدة، فالتناسب المثالي مستحيل نوعًا ما، وهو ما نحاول الوصول إليه قدر الإمكان، مع أنه ليس بالضرورة أن يكون طرازًا فريدًا يجب تحقيقه بدقة، ولكن هذا لا يعني أن نرفض التناسب غير المثالي فيجب القبول به والتعايش معه.
جميعنا ندرك عظمة الله في خلقه، وندرك إبداعه المحكم في تصويرنا، فوجود بعض الفروقات الطفيفة في تركيبتنا يجب ألا يشكل عائقًا في علاقتنا مع خالقنا، هو خلق كل شيء لحكمة ولسبب ولهدف ما، وما علينا إلا أن نقول الحمد لله على كل ما نحن عليه، وعلى ما كنا، وعلى ما سنكون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد