تطبيع هيستيريّ يضرب الأروقة الرسمية العربية: يتدافع بنو جلدتنا تدافعًا غير مفهوم على التزلف لنبتة سرطانية لا تنتمي إلى تاريخنا أو قيمنا أو ثقافتنا. يتدافعونَ من المحيط إلى الخليج، في السياسة والاقتصاد والأمن والرياضة؛ فبعد جمباز الدوحة، وجودو أبوظبي، وصل قطار التطبيع مؤخرًا إلى مسقط قابوس؛ وبالتأكيد لن تكون محطته الأخيرة، فالقادة العرب في جعبتهم دومًا مزيدٌ من المفاجآت، ولكنْ، في زمن المفارقات، يبدو أن لأحرار العالم ممن لم تُطمس بصائرهم، ولم تتلف بوصلات ضمائرهم كلمةً أخرى، نحاول في هذه المادة البسيطة تسليطَ الضوء عليها بشكل مُجمّع.

اسكتلندا

في اسكتلندا، وفي مدينة غلاسكو، رابع أكبر المدن الأوروبية مساحةً، وأحد أكبر مواطن الفعاليات والأنشطة الفنية والثقافية والسياحية؛ لا تُعتبر القضية الفلسطينية وأخبارُها أمرًا شكليًا أو ملفًا سياسيًا زائدًا، كما هو الحال عند جُلّ الحكومات العربية، إن لم تكن كلها.. فمنذ عام 2007 تحديدًا، بعد أن وُقّع اتفاقُ التوأمة بين مدينتيّ: بيت لحم وغلاسكو، والقيادات الرسمية والشعبية هناك قد اعتبرت القضية الفلسطينية امتدادًا لنضالهم الوطني ضد الاحتلال البريطاني، ولا تفوّت فرصة تخص المدينة إلا واستغلّتها لدعم قضية فلسطين، وفضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي.

ومنذ هذا العام، والزيارات الرسمية السنوية على مستوى المدينتين لا تتوقف. الأمر الذي تمّ ترجمته في صورة دعم ماديّ وتقنيّ لقطاعات بعينها: طبّ الأورام الجامعي، والدعم النفس اجتماعي لأطفال فلسطين، وزيارة فريق سيلتك للعب مباريات خيرية في فلسطين.

وفي عام 2014، أثناء الحرب التي شنها الكيان الصهيوني على قطاع غزة، والتي استمرت 51 يومًا من القصف الجوي والبري والبحري المتزامن، وفي ظل حصار الأشقاء وتقاعسهم عن التدخل للتهدئة، استجابة لشروط لعبة السياسة التي لا تعبأ بجيرة أو دمٍ أو عقيدة أو إنسانية؛ كانتِ المدينة الأوروبية تضيء بنايتها الرسمية بألوان العلم الفلسطيني، كرمز لدعم صمود الشعب في مواجهة المُحتل. يُذكر أن مسئوولًا فلسطينيًا أو عربيًا واحدًا لم يكلف خاطره لزيارة القطاع المُدمر، أثناء الحرب أو بعدها؛ فيما كانوا يتسابقون جميعًا للوقوف في الصفوف الأولى لمظاهرة باريس، تنديدًا بحادثة شارلي إيبدو!

ويبدو أن عدوى التضامن الرسمي من الجانب الإسكتلنديّ قد انتقلت سريعًا لجمهور واحد من أكبر الأندية هناك على الإطلاق، نادي سيلتك، الذي دخل محبوه حالةً من العناد والتحدي ضد الصلف الصهيوني. فليس غريبًا هناك أن تجلس لتشهد مباراة عادية لهذا النادي في الدوري المحلّي، وإذا بأعلام فلسطين تكسو الملعب وتُزيّنه، بمبرر وبغير مبرر. حالة من التوحّد والوجد الحقيقيّ مع القضية العادلة، بشكل يشعرك بأنها قضية أي حر في العالم فعلًا، وليست قضية العرب والمسلمين وحدهم.

وفي إحدى نُسخ مسابقة دوري أبطال أوروبا، ساق الحظ العسر فريقًا إسرائيليًا للوقوع في نفس مجموعة الفريق الإسكتلنديّ. أتصور أن ما فعله الجمهور، المحترم، من حفل استقبال للبعثة الإسرائيلية، أكد لهم بما لا يدع مجالًا للشك أن وجودهم في هذه الأرض خطأ سيتكفل الزمن بتصحيحه. ولمّا وقّع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (ويفا)، غرامةً مالية على الفريق الاسكتلنديّ؛ قام المشجعون بتحويل العقوبة إلى مهرجان شعبي لدعم فلسطين، جمعوا خلاله 170 ألف جنيه إسترليني!

ريال مدريد

لم يكتفِ ملكا العاصمة وأعرق وأغنى أندية العالم، ريال مدريد، بالدعم الماديّ والرّياضيّ للشعب الفلسطيني – على أهميته – وإنما عمل النادي على أخذ مواقف تضامنية واضحة مع الجانب الفلسطيني تُجاه الجانب الإسرائيلي.. الأمر الذي جعله هدفًا لمسؤولي الدبلوماسية والخارجية في دولة الاحتلال، كما سنرى.

ففي مارس (آذار) 2016، استقبل نجوم فريق كرة القدم بالنادي، وعلى رأسهم كريستيانو رونالدو النجم البرتغالي ولاعب الفريق أنذاك، الطفلَ الفلسطينيّ: أحمد الدوابشة. أحمد هو الناجي الوحيد من محرقة إسرائيلية قام بها مستوطنون في الضفة الغربية، أودت بعائلة الصبي كلها. قضى الصبي يومًا لطيفًا بعيدًا عن قطعان المستوطنين وجنود الاحتلال، وشاهد مباراةً للفريق، وقابل نجمه المُفضل وقدوّته – على حد تعبيره – كريستيانو.

لن تُعوّض كنوز الدنيا أحمدَ من وما فقد، وليس مطلوبًا من أحد أن يتحمل كلفة جرائم الاحتلال غيرُ الاحتلال نفسه، من ارتكبوا الجريمة ومن سمحوا لهم بذلك؛ ولكن الشاهد هنا: أن النادي، بما يملكه من جماهير، ونفوذ، وسطوة إعلامية، وتاريخ، لم يمرر الصمت في وقت لو اختاره فعلًا لما لأمه أحد.

وفي سبتمبر (أيلول) 2018، أعطى النادي نفسه صفعة جديدة على وجه الاحتلال، بعد أن استقبل عهد التميمي، أيقونة النضال الفلسطيني، والتي قضت ثمانية أشهر في سجون الاحتلال، مع أمها، على خلفية صفعها جنديين من أشاوس الاحتلال. التقطت عهد صورًا تذكارية بجانب كؤوس النادي، وحصلت على قميص باسمها، وكان في استقبالها مديرُ العلاقات المؤسسية في النادي.

يُذكر أن التعاون بين النادي الإسباني والجانب الفلسطيني آخذٌ في النمو منذ عام 2011، ويتجسّد في عملٍ رياضي وثقافي وتقني مُشترك، تظفر من خلاله وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أونروا بمدرّبين أكْفاء من إعداد وصناعة الجانب الإسباني.

النرويج

النرويج هي أول دولة أوروبية تعتمد اسمَ فلسطين في معاملاتها الرسمية، بعد أن كانت فلسطين تُمثّل رسميا بأسماء لا تعبر عن كونها دولة، مثل: الأراضي المُتنازع عليها. ومنذ أيام قليلة، الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) تحديدًا، اختار اتحاد الطلبة النرويجيين، الممثل المنتخب لطلاب النرويج قضيةَ فلسطين لتكون عُنوانًا لمهرجانهم الطّلابيّ السّنوي، الذي نظموا خلاله تظاهرة واسعة للتعريف بالقضية، وجمعوا ملايين الكورونات، دعمًا للقضية التي اختاروها، بحضور رسمي، وحقوقي، وإعلامي واسع، ليس من بينه وسائل الإعلام العربية بطبيعة الحال.

ومنذ سنوات، والأزمة مشتعلة بين نقابات العمال والتُجار النرويجية التي تُصر على مقاطعة المنتجات التي تنتجها المستوطنات من جهة، وبين الجانب الإسرائيلي الذي يتعنت في دخول أكاديميين نرويجيين إلى الأراضي المحتلة، كرد فعل على السياسات النرويجية.

وبشكل عام، فإن إسرائيل لا تصمت إزاء الدعم الأوروبي – غير الرسمي – لقضية فلسطين؛ فحتى استضافة عهد التميمي في مدريد قد قوبلت بهجوم رسمي إسرائيلي شديد على مستوى سفيرهم بمدريد والمتحدث الرسمي باسم خارجيّتهم، الذي وصف الفتاة بالإرهابية، والداعية للعنف.

يأتي ذلك في ظل تضييق وإرهاب رسمي عربي للحركات الإسلامية والأحزاب اليسارية والجامعات والنقابات المدنية التي كانت تقوم بدور حيوي في دعم القضية الفلسطينية بالمظاهرات، والتبرعات، والمؤتمرات.. إذ لا صوت يعلو فوق صوت التطبيع والدعوة إلى تسوية وإنهاء أكبر وأقدم نزاع في المنطقة، على حد تعبير عادل الجبير وزير خارجية المملكة العربية السعودية، في القمة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد