*أحداث هذه المقالة ليست من وحي الخيال، بل حقيقة، وقد حدثت لي شخصيًا في أواخر شهر يناير (كانون الثاني) الماضي إِبّان صدور قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحظر دخول رعايا سبع دول إسلامية إلى الولايات المتحدة.

لا يعلم الإنسانُ عن الغد شيء، ولا يعلم ما خبئ له القدر من خير أو شر ذلك؛ لأن الليالي من الزمان حُبالى مثقلات يلدن كل عجيب فما لك، إلا الانتظار! والغد شبح مبهم يتراءى للناظر من مكان بعيد، فقد يكون ملكًا رحيمًا للإنسان أو شيطانًا رجيمًا. استطاع الإنسانُ أن يُذلّل كل الصعاب في الحياة، ويرقى إلى أعلى درجات العلم والكمال، لكنه سقط أمام باب الغد عاجزًا  لايجرؤ على فتحه؛ لأنه باب الله، والله لا يطلع على غيبه أحد!

عقدت العزم على السفر من أجل إتمام الدراسات العليا بالولايات المتحدة في تخصص الصحافة والإعلام راغبًا في ذلك       لا متأثرًا؛ لأنني لم أرَ شيئًا يستوجبُ البقاء من أجله، فكل شيء هُنا عدم، و النجاح دائمًا ما يتوارى في عالم المجهول.

أنا من أولئك الذين يؤمنون بأنه ينبغي للإنسان أن يكون له هدف في هذه الحياة، فإذا عرفه وحدده مشى إليه في ثقة         واطمئنان دون التفات إلى ما يعترض طريقه من المنغصات والمثبطات، وسبيل النجاح الأكيد هو تحديد الهدف وتسخير الوسائل الفعّالة لبلوغه.

لم يكن أمر السفر سهلًا كما يعتقدُ البعض في كل التفاصيل؛ لأنه يتوجب عليك السير بخطواتٍ مرتبة ومنظمة وأن تثبت أيضًا أنك ذاهب لغير الهجرة ابتداءً من المراسلة والحصول على القبول وانتهاء بالمقابلة الشخصية، وهي المرحلة الأهم في سفارة أو قنصلية الولايات المتحدة، والتي يبنى عليها منحك التأشيرة من عدمه. تهيأتُ للسفرِ واستودعت أسرتي قبيل التوجه إلى المطار بساعاتٍ قليلةٍ، ولكن وداع أمي لي كان مختلفًا للغاية، فقد كانت تشعرُ أن ثمةَ شيئًا يحاك في الخفاء قد يحدث لي!

توجهتُ إلى مطار الملك عبدالعزيز الدولي، وأنهيت الإجراءات، ثم صعدت إلى الطائرة متجهًا نحو المقعد المخصص لي ومدة الرحلة من مدينة جدة إلى نيويورك 12 ساعة و46 دقيقة دون توقف.

بدأت الطائرة بالتحرك قليلًا قليلًا، ثم استقلت وطارت، وقد كنت أحمل معي كاتبًا خصصته لهذه الرحلة كي أقرأه، وأستفيد من هذا الكم الهائل من الساعات المهدرة في هذه الرحلة الطويلة، وحمل الكتاب عنوان: أعطِ الصباح فرصة، للكاتب المصري عبدالوهاب مطاوع الذي كان يدعو في كتابه إلى التفاؤل وانتظار الصباح مهما طال بنا الليل لكي يجيء           ويغسل الأحزان والهموم. يقول مطاوع في مقدمة الكتاب:

إنه كتاب يستبشر بالحياة ويؤمن بالإنسان، وهو من أحب كتبي إلى قلبي؛ لأنني قد كتبته أصلًا للشباب، والشباب عندي هو حالة نفسية وعقلية أكثر منه مرحلة من مراحل العمر.

واصلت قراءة الكتاب حتى النهاية؛ فوجدت نفسي في حالة تفاؤل وإيجابية، ثم استمر الانتظار الممل بمقعد الطائرة حتى سمعت رسالة الترحيب بالوصول إلى الولايات المتحدة وأننا على بُعد بضعة دقائق من مطار جون إف كينيدي الدولي، وفي تمام الساعة 11:30 صباحًا وصلنا إلى مدينة نيويورك، حيث كان فيه الفصل الأهم من القصة!

تَرجَّلتُ من الطائرة إلى صالة المطار الذي كان مكتظًا بالبشر، ولكنه منظّم. وبدأت أتخلل الصفوف؛ حتى وجدت المسار المخصص لمن يحملون تأشيرات الدخول، ووقفت فيه، وكان مزدحمً بعض الشيء: فبعد مرور أكثر من 15 دقيقة من الانتظار تقدمت إلى ضابط الهجرة، وعندما وصلت إليه طلب الجواز، وبدأ يطرح بعض الأسئلة، ثم طلب مني أن أتبعه وهو في حالة توتر شديد، ولا أعلم لماذا! ذهبت معه حتى وصلنا إلى مكتب «الجمارك وحماية الحدود الأمريكية» (CBP)،فدخلنا، فإذا بهذه الصالة ممتلئة بالبشر عن بكرة أبيها، ولا مكان لموطئ قدم، ومن كافة الدول حينها علمتُ أن الخطبَ عام، وأنه إجراء أمني لا أكثر.

سلّم الضابط الجواز والمستندات التي كانت بحوزتي إلى ضابطٍ آخر في هذه الصالة وقال لي: سيُنادى عليك بعد قليل. فلم أجلس، بل ظللت واقفًا أفكّر في شؤون الحياة وأطوارها؛ لأنها مسرح لتجارب الإنسان، ولو كانت غير ذلك لكانت الحياة عبثًا ضائعًا. طال الانتظار في تلك الصالة حتى مللته، ولم يتغير شيء بعد اِنْقِضاء أكثر من ساعتين فذهبت إلى الضابط الذي كان يوضَّب المعاملات أخبره بموعد رحلتي الثانية المتجهة إلى فلوريدا، فطلب اسمي، فذكرته، وأشرتُ إلى جوازي فنادى ضابط آخر، فأعطاه الجواز وقال لي: انتظر قليلًا، وأعداد الناس بدأت تقل شيئًا فشيئًا، وأنا لا أزال عالقًا أكابد من الملل والتعب الشيء الكثير، ولا أعلم سببًا حقيقًا لما حدث، وعاد الضابط يقول للآخر: لايمكن لهذا الفتى الدخول؛ لأنه يحمل جوازًا ينطبق عليه القرار التنفيذي رقم (13769) تحت عنوان «حماية الأمة من الهجمات الإرهابية من قبل المواطنين الأجانب» ويتضمن ذلك تعليق وإلغاء تأشيرات الدخول والسفر لرعايا كل من سوريا والعراق وايران وليبيا والصومال والسودان واليمن . فعلمت حينها أن ما نادى به المرشح الجمهوري للرئاسة دونالد ترامب في حملته الانتخابية قد حدث! وصدق الشاعر عندما قال:

لَعَمْرُكَ ما ضاقَتْ بِلاَدٌ بأَهْلِهَا

ولـــكــنَّ أَخــــــلاقَ الرِّجـــــــالِ تَــــــــــضيقُ

نهاية الجزء الأول من المقال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد