عامٌ مضى من ضعفِ الجسد وقلةِ الحيلة، عامٌ من الخوفِ والقلق، عامٌ من الفقدِ والمرض، عامٌ من الوحدةِ والعُزلة، عامٌ من الفراقِ والغُربة، عامٌ من اليأسِ والتخبط، عامٌ يملأه الزخم والزحام؛ وأنت تسير وسط هذا تقاوم في يأسك، مغلوبًا على أمرك، ضعيفًا وإن ظننت قوتك، فقيرًا إلى الله وإن استغنيت، لا تملك من الأمر شيئًا.

تُودِع أحلامك كل يوم، وتَقصِد السُفن مُعلنًا الرحيل، تجلس في ظلمة نفسك، وعتمة الطريق، وانتظار المجهول؛ كـ يونس -عليه السلام- في بطن الحوت، وقد لاقى في طريقه ما أهمَّه وأحزنه.. هل استمعت قبل ذلك لقصة سيدنا يونس بقلبٍ آخر؟

كان سيدنا يونس مبعوثٌ في قرية من قرى العراق، لدعوة أهلها لعبادة الله الواحد، وقد أعرض الناس عنه ولم يؤمنوا به، ولما زاد عِناد الناس وبدَت علامات العذاب تلوح في الأفق، حينها يأس سيدنا يونس منهم وعزم على ترك القرية بمن فيها، وركب السفينة مغادرًا وظنَّ أنه قد أدى ما عليه، حتى إذا مالت السفينة في عرض البحر مُنذرة بغرقها، واقترع الراكبون لإلقاء أحدٍ منهم لتخفيف الحِمل، وفي كلّ مرّة كان يَخرج سهم يونس -عليه السلام-، فلم يجد يونس إلّا أن يُلقِي نفسه في البحر، فأرسل الله له حوتًا فالتقمه، قال تعالى: «وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ،إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ، فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ».

استقر يونس في بطن الحوت، يتأمل في ما أصابه، ويدرك رسالة الله له بعد أن وَلَّى ظهره لمهمةٍ أوكلها إليه، ويدرك أن اختياره في القرعة ليس صدفة، والتقام الحوت له ليس صدفة، وسجنه في ظلام جوف الحوت وظلمات البحر ليس صدفة، بل هي رسائل الله تترا وسنته تسير. قال تعالى: «وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ».

عامٌ مضى وكلٌ في بَطن حوتِه، منهم من أدرك الرسالة واستشفَ المعنى، ومنهم من زاد في غيّه وضلاله، عامٌ مضى وإرادة الله سائرة وقوته واقعة، عامٌ مضى ولطف الله يشمل عباده، عامٌ مضى وأصوات المؤمنين ما خفتت، وروح الصابرين ما وهنت، وضمير الخاطئين قد تَزَلزَل، عامٌ مضى وحبُ الله يفوق كل حب ومَعيّته هي جنة الدنيا، عامٌ مضى وقد أدمى قلوبنا المفقودون، وأدهش وجداننا الصابرون على البلاء، عامٌ مضى والكونُ يَسرِي بحولِ الله وقوته.

بعد الاعتراف بالخطأ وتسبيح الله الواحد الأحد، نجا سيدنا يونس من بطن الحوت، «فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ، وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ، وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ»، وعاد إلى قريته ليجد القرية كلها قد آمنت بالله، بعد أن خافوا من بوادر العذاب الذي توعَّدهم، قال تعالى: «فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ».

لا أجد درسًا في العام الماضي أفضل من الرجوع عن الخطأ كقوم يونس، وإدراك الرسائل الربانية اللطيفة في دنيا المشقة والكدح، وتمحيص النفس ومراجعتها والاعتراف بالذنب، فلولا تسبيح يونس لـلَبِث في بطن الحوت إلى يوم البعث، ودعاءه الذي نجَّاه من الغَم هو شعارٌ لذلك العام المنقضي؛ «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين».

عامٌ جديد وبابُ العودةِ يُنادي العائدين وينتظر المُعرِضِين، عامٌ جديد يَحمِل البشرى لمن استبشر ويَحمل آفاق السعادة لمن رضي بِقدر الله، فعجبًا لأمرِ المؤمن فإنّ أمره كله خير، عامٌ جديد وتأتي الأصواتُ تُبشرنا كلما همَّ اليأسُ بالنهوض، وتُجَاوِرنا بوارقُ الأمل في عتمة الطريق، عامٌ جديد وما تَزيدنا المصائب إلا استبشارًا بما بعدها، ولا تزيدنا الفِتن إلا استمساكًا بالعقيدةِ السليمة، فلا نكون كالذين قال فيهم الله عز وجل «أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ».

فلا خاب من تذكَر، ولا نَدِم من عاد وتفكّر، ولا ضاقت الدنيا على مؤمنٍ، ولا أغرقت الحياة مُتمسكًا بحبلِ الله، ولا زلـَّت قدمُ عبدٍ يقف على بابٍ من أبوابِ الله، ولا يُنسِينا مرور الأعوامِ وشدة البلاءِ أننا نسير في ألطافِ الله.. كلُ عامٍ وأنتم بخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد