تعلّمنا من كتب التنمية البشرية ومقالات رفع الهمة ألاَّ نستسلم للبدايات الفاشلة ولتخبُطات المزاج الإنساني الذي قد يرتدي ثوْب العُنف الذاتي في أي لحظة تراجع أو انهيار لحُلُمٍ طال انتظاره أو لفرصة ضاعت في زحام الحياة رغم وعينا بمحطات السقوط وتكلفة التذاكر التي تأخذ من الوقتِ والعمر إذًا هو تسونامي جارف للإيجابية البنّاءة.

لم تكن هذه النظرة المتشائمة هي الطاغية في سلم دردشاتي النفسية داخل صومعتي وعلى شُرفة آمالي بجيلٍ مُتحرر من عُقدة التبعية، كنت أظنه سيُغرّد خارج السرب المعتاد، نعم تخيلته بداية لعالم عربيّ خرج من دوامة الاستبداد ولم تعد العنصرية ضمن نطاق تفاعلاته الموروثة والمُقلّدة كأنها شعارٌ مقدّس لابد من تبنيه وحمل شعلة الانتصار للحفدة القادمين كأنها قبس من نور قد يتحول إلى شرارة من شر تعمي العيون التي قد تتمرد على العُرف العائلي فقط لأنها آمنت بالتغيير وجعلت من الضوء المُنبعث في آخر النفق إشارةً لبداية أسطورة تاريخية ستُحدِثُ فارقًا بمستقبل أمة أعياها التقليد وتغليب العادة على الواجب.

فسبب تعثر الثورات العربية وإجهاضها لحلم طال انتظاره هو تجاهل منطق العقل، والانقياد وراء الشعارات والخطابات المنمقة، خروج إلى الشوارع والمطالبة بسقوط النظام ورحيل الخونة وتطبيق العدالة الاجتماعية، يا لها من قضية انتقام!

لما لم نجعل منها قضية إنسانية وخروج من مرحلة نفسية مزمنة ألمَّت بنا كشعوب عانت من فترات استعمارية دمرت كل منشآتها المادية، لكنها لم تنجح في تدمير طموحاتها المعرفية والثقافية شعوب عربية لا تزال جائعة إلى ثورات فكرية تكون بمثابة اللبنة الأولى للحضارة والازدهار بجميع مستويات العلم، كما كنا ذات تاريخ أعيانا البكاء على أطلاله فُقدًا.

لست أشجع التحسر على ما مضى ولكن إعادة قلب صفحة من التاريخ المهجور فوق رفوفٍ غمرها التراب أمرٌ لابد منه في مثل هذه الانتكاسات المؤلمة، لعلنا نغار من نجاحات ممن سبقونا ونجعل منها نقطة انطلاق، لما كلّ هذا التناقض ممن يتمسكون بأعراف فرضتها مجتمعاتهم البطريركية ويتخذونها منهاجًا مفروضًا، هنا تكمن المفارقة كيف لمتمرد على التاريخ وتابع لأعراف قد تكون خاطئة أو لا تتماشى وطبيعة التطورات الحاصلة أن ينجح في إحداث الانقلاب ويستوفي شروط نجاحه، كيف له أن ينقلب على نظام منه وفيه، على تشريعات وضعها الإنسان في زمن ما تحت منطق سلطوي أعطى له فرصة القيادة ولا زال من بعده يسير عليها ويُقدّسها، كيف لك أن تُطالب بإعدام الطاغية وأنت لازلت تحمل معالمها في قرارات نفسك.

التغيير يبدأ من الذات فأرجوك قبل أن تخرج إلى الشارع فكّر مليا في التمرد على بعض أفكارك الموروثة والتي قد تكون خاطئة وتقودك إلى الغرق في متاهات لا خروج منها إلاّ إليها قُم بثورة على ذاتك الأنانية على الأعراف المغلوطة ممن سبقوك والتي قد تكون هرطقات تقود الأجيال القادمة إلى مقصلة التبعية العمياء وإن استلزم الأمر قم بثورة مضادة على أفكارك التي قد تحمل بين طياتها التطرف والانحراف نحو التخلف.

راجع التاريخ واستقِ منه العبر فلنا في كتب من سبقونا بالإيمان والفكر والموعظة الدلالة والفهم اللازم لبعض الاشتباكات والمعضلات اللا مرئية الجوانب فحقيقة أنا لا آخذ كثيرًا بعبارة التاريخ لا يعيد نفسه فكيف لك أن تتحقق من صلاحية العبارة وأنت تجهل ما كان، قد يُعيد نفسه في سياق ما أو بوجه آخر  قد يكون أنت المُقلِّد المغرِّد بأشياء لا تفهم فحواها وحينها سنكون الضحايا المكررين على مقصلة التاريخ نكون أصحاب الأيادي السوداء الشانقة الخانقة لأصول الثورة  سنكون أول الصامتين على عتبة الإنسانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد